اقتصاد

ملايين الدراهم لاستقطاب المستثمرين… لكن أين الأثر؟ جهة فاس-مكناس بين إغراء الشركات الأجنبية واستمرار نزيف البطالة والكفاءات

أعاد إعلان المركز الجهوي للاستثمار بجهة فاس-مكناس عن إطلاق حزمة جديدة من التحفيزات المالية لفائدة الشركات الراغبة في الاستقرار داخل مجمع “فاس شور” فتح نقاش قديم يتجدد كل سنة: هل أصبحت سياسة المنح والدعم العمومي قادرة فعلاً على تحقيق التنمية وخلق الثروة، أم أنها تحولت إلى آلية لاستقطاب شركات تستفيد من الامتيازات ثم تغادر دون أن تترك أثراً اقتصادياً يوازي حجم الأموال العمومية التي ضخت لفائدتها؟

فالمركز الجهوي للاستثمار أعلن عن منح قد تصل إلى مليوني درهم لتهيئة مقرات الشركات، إضافة إلى دعم مباشر بقيمة 6000 درهم عن كل منصب شغل يتم إحداثه والمحافظة عليه لمدة 24 شهراً، مع توفير مواكبة إدارية وعقارية عبر الشباك الوحيد، في محاولة جديدة لتسويق الجهة كوجهة للاستثمار في خدمات الأوفشورينغ والاقتصاد الرقمي.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ماذا حققت هذه السياسة منذ إطلاق مشروع “فاس شور” قبل سنوات؟

أرقام تعلن… وواقع اقتصادي يطرح أسئلة

رغم توالي البلاغات الرسمية التي تتحدث عن جاذبية الاستثمار، فإن المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية داخل جهة فاس-مكناس لا تزال بعيدة عن الطموحات التي رافقت إطلاق هذا الورش.

فالجهة ما تزال تواجه معدلات بطالة مرتفعة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات العليا، كما أن آلاف الخريجين يغادرون سنوياً نحو الرباط والدار البيضاء أو خارج المغرب بحثاً عن فرص عمل أكثر استقراراً وأفضل أجراً، وهو ما يطرح علامات استفهام حول قدرة النموذج الحالي على الاحتفاظ بالرأسمال البشري الذي تزخر به الجهة.

هل يستفيد المستثمر الأجنبي أكثر من المقاولة المغربية؟

أحد أبرز الانتقادات التي توجه إلى سياسة التحفيز الحالية يتمثل في تركيزها على استقطاب الشركات الأجنبية الكبرى، عبر منحها امتيازات مالية ولوجستية وعقارية مهمة، في حين تجد المقاولات المحلية الصغرى والمتوسطة نفسها أمام صعوبات التمويل وتعقيد المساطر وغياب المواكبة بالوتيرة نفسها.

ففي الوقت الذي تخصص فيه ملايين الدراهم لتهيئة مقرات شركات دولية، يشتكي عدد من المستثمرين المحليين من صعوبة الولوج إلى العقار الاقتصادي، وارتفاع كلفة التمويل، وطول الإجراءات الإدارية، وهو ما يخلق انطباعاً بوجود تفاوت في الاستفادة من منظومة التحفيز.

ولا يتعلق الأمر برفض الاستثمار الأجنبي، بل بطرح سؤال حول مدى تحقيق التوازن بين جذب الرساميل الخارجية وتقوية النسيج المقاولاتي الوطني، باعتباره الضامن الحقيقي لاستدامة التنمية وخلق الثروة داخل الجهة.

“فاس شور”… هل تحول إلى فضاء لمراكز النداء أكثر منه قطباً للتكنولوجيا؟

عندما أطلق مشروع “فاس شور”، كان الهدف المعلن هو تحويل العاصمة العلمية إلى قطب للاقتصاد الرقمي والخدمات ذات القيمة المضافة العالية، غير أن واقع الأنشطة داخل المجمع يبين أن جزءاً مهماً منها يتركز في مراكز النداء وخدمات الدعم التقني وخدمة الزبناء.

ورغم أهمية هذه الأنشطة في توفير فرص العمل، فإنها تظل محدودة من حيث نقل التكنولوجيا والابتكار والبحث والتطوير، كما أن عدداً من الخبراء يدعون إلى استقطاب شركات متخصصة في البرمجيات والذكاء الاصطناعي والهندسة الرقمية والصناعات التكنولوجية، بما ينسجم مع المؤهلات العلمية التي تتوفر عليها جامعات ومدارس الجهة.

هل تحقق الأموال العمومية عائداً حقيقياً؟

من أبرز الأسئلة المطروحة أيضاً، مدى نجاعة ربط الدعم العمومي بالحفاظ على مناصب الشغل لمدة سنتين فقط.

فعدد من الخبراء الاقتصاديين يرون أن تقييم نجاح برامج التحفيز لا ينبغي أن يقتصر على عدد الشركات المستقرة أو المناصب المحدثة عند الانطلاق، بل يجب أن يشمل استدامة هذه المناصب، واستمرار الشركات في الاستثمار بعد انتهاء فترات الدعم، ومدى مساهمتها في نقل الخبرة وتكوين الكفاءات المحلية ورفع القيمة المضافة للاقتصاد الجهوي.

كما يدعو هؤلاء إلى نشر تقارير دورية توضح للرأي العام قيمة المنح التي استفادت منها كل شركة، وعدد مناصب الشغل التي أحدثتها فعلياً، ونسبة استمرارها، ومدى احترامها لالتزاماتها التعاقدية، بما يعزز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

جهة بإمكانات كبيرة… لكنها تحتاج إلى نموذج جديد

لا أحد يجادل في أن جهة فاس-مكناس تتوفر على مؤهلات استثنائية؛ فهي تضم واحدة من أكبر الكتل السكانية بالمملكة، وجامعات ومعاهد عليا تخرج آلاف الكفاءات سنوياً، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، إضافة إلى شبكة طرق وسكك حديدية ومطار دولي.

لكن تحويل هذه الإمكانات إلى قوة اقتصادية حقيقية يتطلب، بحسب العديد من الفاعلين الاقتصاديين، تجاوز منطق استقطاب الاستثمارات منخفضة القيمة المضافة، والانتقال نحو نموذج جديد يقوم على دعم الابتكار، وتشجيع الصناعة التكنولوجية، وربط الجامعة بالمقاولة، وتقوية المقاولات الناشئة المحلية، واستقطاب مشاريع صناعية ورقمية قادرة على خلق وظائف مستقرة وعالية التأهيل.

بين البلاغات الرسمية وانتظارات الساكنة

إن نجاح أي سياسة استثمارية لا يقاس بحجم المنح المالية المعلن عنها، ولا بعدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما بما تتركه من أثر ملموس في حياة المواطنين.

واليوم، ينتظر شباب جهة فاس-مكناس أكثر من وعود جديدة أو حوافز إضافية؛ ينتظرون اقتصاداً قادراً على خلق فرص شغل مستقرة، وأجوراً تحفظ الكرامة، واستثمارات تنقل المعرفة وتبني الثروة داخل الجهة، بدل الاكتفاء باستقطاب مشاريع تستفيد من الامتيازات ثم يبقى السؤال نفسه مطروحاً بعد سنوات: أين الأثر الحقيقي لهذه الأموال العمومية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى