تحليل إخباري : بين تخليق الحياة السياسية وأزمة التأطير الحزبي.. هل تكفي القوانين وحدها لإعادة الثقة إلى العمل السياسي؟

تشهد المنظومة الانتخابية بالمغرب خلال السنوات الأخيرة دينامية إصلاحية متواصلة، تقودها الدولة بمختلف مؤسساتها الدستورية، من أجل تعزيز نزاهة الاستحقاقات الانتخابية وترسيخ مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. وقد برزت وزارة الداخلية، إلى جانب السلطة القضائية والمؤسسات الرقابية، كأحد أبرز الفاعلين في تنزيل هذه المقاربة، من خلال تشديد المراقبة على العمليات الانتخابية، وتتبع المخالفات، والتصدي لظواهر الفساد الانتخابي واستعمال المال والتأثير غير المشروع على إرادة الناخبين.
ولم يعد خافياً أن المغرب قطع خلال العقدين الأخيرين أشواطاً مهمة في مجال تأمين المسار الانتخابي، سواء على مستوى التنظيم أو المراقبة أو تتبع الجرائم الانتخابية، حيث أصبحت النيابة العامة والأجهزة المختصة تتدخل بشكل متزايد كلما تعلق الأمر بشبهات تمس نزاهة الانتخابات أو سلامة العملية الديمقراطية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يرتبط فقط بالقوانين الانتخابية أو بالإجراءات التنظيمية، بل بمستقبل الفعل السياسي نفسه، وبالدور الذي يفترض أن تضطلع به الأحزاب السياسية باعتبارها الوسيط الطبيعي بين الدولة والمجتمع.
فإذا كانت الدولة تواصل تحديث الترسانة القانونية، وتعزيز آليات المراقبة والتأطير، فإن جزءاً مهماً من الأزمة يبدو مرتبطاً بتراجع الأدوار التأطيرية والتكوينية للأحزاب السياسية، التي أصبحت في كثير من الأحيان غائبة عن الساحة إلا عند اقتراب المواعيد الانتخابية.
لقد كان يفترض أن تكون الأحزاب مدارس حقيقية لتكوين النخب وتأطير الشباب وإشراك المواطنين في النقاش العمومي، غير أن الواقع يكشف أن عدداً من الهيئات الحزبية فقدت الكثير من حضورها الميداني ومن قدرتها على التواصل الدائم مع المواطنين، واكتفت بمنطق التدبير الموسمي الذي ينشط فقط خلال الحملات الانتخابية.
وفي مقابل ذلك، ما تزال بعض الأحزاب، التي يمكن عدها على رؤوس الأصابع، تحافظ على حد أدنى من العمل التأطيري والتواصل المستمر مع المواطنين، عبر تنظيم اللقاءات والندوات والأنشطة الميدانية والتكوينات السياسية، في حين اختارت تنظيمات أخرى الغياب شبه الكامل عن المشهد، قبل أن تعود مع كل استحقاق انتخابي بحثاً عن المرشحين واللوائح والنتائج.
ويرى متابعون للشأن السياسي أن أحد أبرز أسباب العزوف الانتخابي لا يرتبط فقط بالقوانين أو بطريقة الاقتراع، بل أيضاً بضعف التأطير السياسي وتراجع الثقة في عدد من التنظيمات الحزبية التي لم تعد قادرة على استقطاب الكفاءات أو تقديم مشاريع مجتمعية مقنعة للمواطنين.
كما أن الانتقادات الموجهة لبعض الأحزاب تتعلق بتحول التزكيات الانتخابية في بعض الحالات إلى موضوع جدل واسع داخل الرأي العام، حيث تتكرر مع كل محطة انتخابية اتهامات بغياب المعايير الديمقراطية في اختيار المرشحين، وهو ما يطرح من جديد سؤال الديمقراطية الداخلية وتجديد النخب وربط المسؤولية بالكفاءة والاستحقاق.
وفي المقابل، تواصل مؤسسات الدولة العمل على تحصين المسار الديمقراطي من خلال تطوير القوانين المنظمة للانتخابات، وتعزيز آليات الرقمنة، وتشديد شروط الشفافية، وتوسيع مجالات المراقبة القانونية، وهي خطوات تهدف بالأساس إلى حماية مصداقية المؤسسات المنتخبة وضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين.
لكن عدداً من الباحثين والمهتمين بالحياة السياسية يعتبرون أن الإصلاح القانوني، مهما بلغت أهميته، لن يكون كافياً لوحده لإعادة الاعتبار للعمل السياسي. فالثقة لا تُبنى فقط بالنصوص القانونية، بل تحتاج أيضاً إلى أحزاب قوية، ونخب مؤهلة، وبرامج واقعية، وقرب حقيقي من المواطنين.
إن الرهان المطروح اليوم أمام المشهد السياسي المغربي لا يقتصر على تنظيم انتخابات نزيهة فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة الروح للفعل الحزبي، وتجديد آليات التأطير والتكوين، وفتح المجال أمام الشباب والكفاءات للمشاركة الفعلية في تدبير الشأن العام.
فالديمقراطية القوية لا تقوم فقط على القوانين والمؤسسات، بل تحتاج أيضاً إلى أحزاب حية ومؤثرة وقادرة على مواكبة التحولات المجتمعية، والدفاع عن قضايا المواطنين، وتأطير النقاش العمومي بشكل مسؤول ومستمر.
وبين جهود الدولة الرامية إلى تخليق الحياة السياسية وتعزيز الثقة في المؤسسات، وبين الحاجة الملحة إلى استعادة الأحزاب لأدوارها التاريخية في التأطير والتكوين والترافع، يبقى التحدي الأكبر هو بناء مشهد سياسي قادر على استعادة ثقة المواطن، وتحويل المشاركة السياسية من موعد انتخابي عابر إلى ممارسة يومية تساهم في ترسيخ الديمقراطية والتنمية معاً.






