الداخلية تطلق جيلاً جديداً من برامج التنمية المجالية لمواجهة الفوارق وتعزيز العدالة الترابية

دخل ورش التنمية المجالية بالمغرب مرحلة جديدة، بعد توجيه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت دورية إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم والمقاطعات، تدعو إلى إعداد وتنفيذ جيل جديد من برامج التنمية المجالية المندمجة، في إطار تنزيل التوجيهات الملكية الرامية إلى تحقيق عدالة ترابية أكبر وتقليص الفوارق بين مختلف مناطق المملكة.
وتستند هذه الدينامية إلى التوجيهات التي تضمنها خطاب العرش لسنة 2025، والذي دعا إلى اعتماد مقاربة جديدة في التنمية تقوم على تثمين الخصوصيات المحلية، وتعزيز الجهوية المتقدمة، وترسيخ التكامل والتضامن بين المجالات الترابية، بما يجعل التنمية أكثر ارتباطاً بالحاجيات الفعلية للسكان وأكثر قدرة على تحقيق نتائج ملموسة.
وتؤكد وزارة الداخلية أن المغرب حقق خلال السنوات الماضية تقدماً مهماً في مجال البنيات التحتية وتحسين ظروف العيش، غير أن استمرار بعض مظاهر التفاوت المجالي والاجتماعي يفرض الانتقال من البرامج العامة إلى تدخلات أكثر دقة واستهدافاً، تقوم على تشخيص حقيقي للخصاص وتحديد الأولويات وفق خصوصيات كل منطقة.
وفي هذا السياق، وضعت الدورية التشغيل وفرص الشغل في صدارة الأولويات، من خلال البحث عن المشاريع والأنشطة القادرة على استثمار المؤهلات الاقتصادية المحلية وتحويلها إلى فرص استثمار وإنتاج وتشغيل مستدام. كما تدعو إلى توفير بيئة ملائمة للمقاولات وريادة الأعمال وتشجيع المبادرات الاقتصادية التي تستجيب لمؤهلات كل مجال ترابي.
ويشكل قطاعا التعليم والصحة بدورهما محوراً أساسياً في الجيل الجديد من البرامج، من خلال توجيه الاستثمارات نحو المناطق التي تعرف خصاصاً في الخدمات الأساسية، وتعزيز الولوج العادل إلى المرافق العمومية، بما يساهم في تحسين ظروف العيش وترسيخ الكرامة والإنصاف المجالي.
كما فرضت أزمة المياه والتغيرات المناخية حضورها بقوة في التصور الجديد، إذ شددت التوجيهات على ضرورة إدماج ندرة المياه في التخطيط الترابي، واعتماد مشاريع تراعي الاستدامة وحسن تدبير الموارد المائية، خصوصاً في المناطق التي أصبحت تواجه ضغوطاً متزايدة على مواردها.
ويشمل البرنامج كذلك التأهيل المجالي المندمج وربط المشاريع الترابية بالدينامية الوطنية الكبرى، بما يضمن عدم اشتغال الاستثمارات الكبرى بمعزل عن حاجيات المجالات المحلية، ويتيح للمناطق الترابية الاستفادة من آثارها الاقتصادية والاجتماعية.
وتراهن وزارة الداخلية، في إعداد هذه البرامج، على مقاربة تشاركية تجمع المنتخبين والمصالح الخارجية والقطاع الخاص والجامعات والمجتمع المدني وباقي الفاعلين المحليين، بهدف تحديد الأولويات بشكل جماعي، وربط المشاريع بحاجيات السكان وإمكانات كل منطقة.
ويبرز اختيار العمالة أو الإقليم كإطار لتخطيط هذه البرامج رغبة في تعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات والمصالح، وضمان قدر أكبر من الانسجام في توزيع الموارد وتنفيذ المشاريع، بدل تعدد التدخلات وتشتتها.
وتشدد الدورية في المقابل على أن نجاح هذا الورش يقتضي تشخيصاً دقيقاً لكل مجال ترابي، لا يكتفي برصد مظاهر الخصاص، وإنما يبحث أيضاً عن الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية والطبيعية القابلة للاستثمار، حتى تتحول برامج التنمية من مجرد تدخلات لمعالجة النقص إلى أدوات لإنتاج الثروة وخلق فرص الشغل وتحقيق تنمية مستدامة.
كما تؤكد التوجيهات ضرورة انسجام البرامج الجديدة مع مرتكزات النموذج التنموي الجديد والتوجيهات الملكية، مع التأكيد على إبعاد ورش التنمية عن الحسابات السياسية الضيقة. فالمعيار الأساسي، وفق هذا التوجه، لن يكون عدد المشاريع المبرمجة، وإنما أثرها الحقيقي على حياة المواطنين وقدرتها على تقليص الفوارق وتحقيق تنمية متوازنة بين مختلف المجالات الترابية.
وبذلك، تضع وزارة الداخلية الولاة والعمال أمام ورش تنموي جديد يقوم على الانتقال من منطق البرامج الموحدة إلى منطق التنمية المبنية على خصوصية كل إقليم، ومن تدبير الحاجيات الآنية إلى استباق التحولات، في أفق جعل العدالة المجالية والتماسك الترابي جزءاً أساسياً من مسار التنمية الوطنية.






