سياسة

ماكرون في ضيافة ملك إسبانيا.. مدريد تحتضن الرئيس الفرنسي ومجلس الشيوخ يصدمه برفض معاهدة الصداقة

حلّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإسبانيا في زيارة دولة يومي 29 و30 شتنبر، بدعوة من الملك فيليبي السادس، في زيارة حملت رسائل سياسية وأوروبية متعددة، تزامنت بشكل لافت مع تصويت مجلس الشيوخ الإسباني ضد المصادقة على معاهدة الصداقة والتعاون بين مدريد وباريس، قبل أن يجد رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز نفسه مضطراً إلى الاعتذار للرئيس الفرنسي عن نتيجة التصويت.

واستُقبل ماكرون من طرف العاهل الإسباني في إطار زيارة دولة هي الأولى لرئيس فرنسي إلى إسبانيا منذ سنة 2009، فيما أقيم مساء 29 شتنبر عشاء رسمي بالقصر الملكي في مدريد بحضور الملك فيليبي السادس والملكة ليتيزيا والرئيس الفرنسي وزوجته، إلى جانب رئيس الحكومة الإسبانية وعدد من المسؤولين والشخصيات.

غير أن الأجواء الاحتفالية داخل القصر الملكي تزامنت مع تطور سياسي لافت في المؤسسة التشريعية الإسبانية، بعدما رفض مجلس الشيوخ المصادقة على معاهدة الصداقة والتعاون الموقعة سنة 2023 بين إسبانيا وفرنسا، وهو التصويت الذي جاء في توقيت بالغ الحساسية، بينما كان ماكرون يؤدي زيارته الرسمية إلى مدريد.

وفي اليوم الموالي، لم يتردد بيدرو سانشيز في تقديم اعتذاره بشكل علني للرئيس الفرنسي، مؤكداً أنه لا يسعه سوى الاعتذار عن التصويت السلبي الذي تعرضت له المعاهدة، ومعبراً عن ثقته في أن البرلمان الإسباني سيوافق قبل نهاية الولاية التشريعية على معاهدة جديدة للصداقة بين البلدين.

وقال سانشيز إن الأمر لا يتعلق بمعاهدة بين حكومتين، وإنما بعلاقة بين بلدين، معتبراً أن التصويت لا يعكس، بحسب تعبيره، طبيعة العلاقات التي تجمع إسبانيا بفرنسا. كما أكد أن العلاقات الثنائية بين البلدين تمر بمرحلة قوية على المستويات السياسية والاقتصادية والأوروبية.

أما ماكرون، فتعامل مع التطور باعتباره عرقلة مؤقتة للعلاقات، مؤكداً خلال الزيارة أن النص حظي بتأييد المحكمة الدستورية الإسبانية، وأن المسألة لا تستدعي إعادة صياغة الاتفاق، في انتظار استكمال المسار السياسي والتشريعي.

لكن البعد الأكثر حساسية في زيارة ماكرون إلى مدريد ارتبط بملف سبتة، التي تحولت خلال الأسابيع الأخيرة إلى إحدى أبرز نقاط التوتر في العلاقات الإسبانية المغربية، خصوصاً بعد أزمة الهجرة الجماعية التي شهدتها المدينة نهاية يوليوز.

وخلال العشاء الرسمي الذي أقامه الملك فيليبي السادس على شرف الرئيس الفرنسي، عاد العاهل الإسباني إلى أزمة سبتة، متحدثاً عن التداعيات الأمنية والإنسانية التي خلفتها موجة الدخول الجماعي للمهاجرين، وداعياً إلى مزيد من التضامن الأوروبي في التعامل مع الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي.

كما تناول ماكرون نفسه خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع سانشيز الوضع في سبتة، في وقت كانت فيه مدريد تسعى إلى إبراز المدينة باعتبارها جزءاً من الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وربط الأزمة بمسؤولية أوروبية مشتركة.

وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية بالنسبة للمغرب، بالنظر إلى أن سبتة ومليلية تظلان موضوعاً سيادياً حساساً في العلاقات المغربية الإسبانية، فيما تستمر مدريد في التعامل مع المدينتين باعتبارهما تحت السيادة الإسبانية، بينما يعتبر المغرب المدينتين جزءاً من أراضيه الواقعة تحت الاحتلال الإسباني.

وفي هذا السياق، أعلنت مصادر من الديوان الملكي الإسباني أن الملك فيليبي السادس سيزور سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر، في أول زيارة له إلى المدينتين منذ اعتلائه العرش، وهو الإعلان الذي يأتي بعد أشهر من أزمة حدودية وهجرة غير مسبوقة حول سبتة.

وبذلك، تتزامن زيارة ماكرون إلى مدريد مع مرحلة دقيقة في العلاقات الإسبانية المغربية، حيث تحاول الحكومة الإسبانية إدارة تداعيات أزمة سبتة من جهة، بينما تواصل في الوقت نفسه تثبيت حضورها السياسي في المدينتين، وهو ما يجعل أي تحرك رسمي إسباني بشأنهما محل متابعة دقيقة في الرباط.

واللافت أن زيارة ماكرون نفسها لم تكن مخصصة لملف سبتة أو العلاقات المغربية الإسبانية، إذ ركزت محادثاته مع سانشيز على العلاقات الثنائية والقضايا الأوروبية والدولية، بما فيها أوكرانيا والشرق الأوسط، فضلاً عن التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين.

غير أن تزامن الزيارة مع أزمة سبتة، وخطاب الملك الإسباني بشأن الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، ثم الإعلان عن زيارة فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية، جعل مدريد أمام مشهد سياسي متشابك: احتفاء رسمي بالرئيس الفرنسي داخل القصر الملكي، وتصويت سلبي داخل مجلس الشيوخ بشأن المعاهدة الفرنسية الإسبانية، وتصاعد النقاش الداخلي حول الهجرة وسبتة، بالتوازي مع استعداد الملك الإسباني لزيارة المدينتين.

كما أن الأزمة أخذت بعداً حقوقياً، بعدما أعلنت وزارة الدفاع الإسبانية فتح تحقيق داخلي وإحالة الملف إلى النيابة عقب اتهامات وجهتها منظمة العفو الدولية لعناصر عسكرية إسبانية بإساءة معاملة مهاجرين في سبتة خلال عمليات ليلية أعقبت موجة الدخول الجماعي.

وهكذا، وجد ماكرون نفسه خلال زيارته لإسبانيا في قلب مشهد سياسي لم يكن محصوراً في العلاقات الفرنسية الإسبانية، بل امتد إلى أزمة الهجرة وسبتة ومستقبل الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، بينما كشفت نتيجة التصويت داخل مجلس الشيوخ الإسباني أن صورة التقارب الفرنسي الإسباني التي حرصت مدريد وباريس على إبرازها خلال الزيارة لا تعني بالضرورة وجود توافق سياسي كامل داخل المؤسسات الإسبانية.

وفي الوقت الذي كان فيه ماكرون يتلقى مراسم الاستقبال الرسمية ويشارك الملك فيليبي السادس مأدبة العشاء بالقصر الملكي، كان مجلس الشيوخ قد وجّه ضربة سياسية لمعاهدة الصداقة التي وقعتها مدريد وباريس، قبل أن يسارع سانشيز في اليوم التالي إلى الاعتذار للرئيس الفرنسي والتأكيد على أن حكومته ستعمل على تمرير اتفاق جديد قبل نهاية الولاية التشريعية.

أما المغرب، فيتابع هذا المشهد من زاوية مختلفة، خصوصاً مع اقتراب زيارة الملك الإسباني إلى سبتة ومليلية، وهي الزيارة التي قد تعيد ملف المدينتين إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي بين الرباط ومدريد، في وقت لا تزال فيه تداعيات أزمة يوليوز والهجرة الجماعية تلقي بظلالها على العلاقات بين البلدين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى