سياسة

زيارة ملك إسبانيا إلى سبتة ومليلية المحتلتين.. مدريد تختار التصعيد وتتجاوز منطق الحوار مع الرباط

تتجه إسبانيا إلى خطوة جديدة من شأنها إعادة ملف سبتة ومليلية المحتلتين إلى صدارة التوتر السياسي مع المغرب، بعدما أعلنت رسمياً أن الملك فيليبي السادس والملكة ليتيزيا سيزوران المدينتين يومي 13 و14 أكتوبر الجاري، في أول زيارة للملك الإسباني إليهما منذ اعتلائه العرش سنة 2014، وفي خطوة تأتي في ظرفية دقيقة تشهد فيها العلاقات بين الرباط ومدريد نقاشاً متجدداً حول مستقبل الثغرين المغربيين المحتلين.

وتحمل الزيارة، بالنظر إلى توقيتها ومكانها، دلالة سياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي الذي تحاول مدريد تقديمه، خصوصاً أن الأمر يتعلق بزيارة ملكية إلى مدينتين يحتفظ المغرب بموقف رسمي ثابت يعتبرهما جزءاً من ترابه الوطني ويطالب باسترجاعهما، في حين تواصل إسبانيا التعامل معهما باعتبارهما جزءاً من أراضيها. ولهذا السبب، ينظر إليها في الأوساط المغربية باعتبارها خطوة استفزازية، لكونها تأتي في وقت كان يفترض فيه، وفق منطق الحوار الذي دعت إليه الرباط، أن تتم معالجة الملفات العالقة بين البلدين عبر القنوات السياسية والدبلوماسية.

وتزداد حساسية الخطوة الإسبانية بالنظر إلى التطورات التي سبقتها مباشرة، إذ كان وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي قد أكد في غشت الماضي أن سبتة ومليلية تمثلان حقاً تاريخياً وجغرافياً للمغرب، ودعا إلى إحداث آلية للحوار مع إسبانيا من أجل بحث مستقبل المدينتين وسبل عودتهما إلى الوطن، قبل أن ترد مدريد برفض صريح لأي مطالب مغربية بشأنهما.

وبذلك، لا تأتي زيارة فيليبي السادس في فراغ سياسي، بل بعد تبادل مواقف رسمية متباينة بشأن مستقبل سبتة ومليلية. ففي الوقت الذي طرحت فيه الرباط منطق الحوار لمعالجة الملف، أعلنت مدريد رفضها القاطع للمطالب المغربية، وأكدت تمسكها بما تصفه بسيادتها على المدينتين. كما جدد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، خلال زيارته إلى سبتة في 11 غشت، التزام حكومته بما تعتبره «سيادة إسبانيا وسلامتها الترابية»، في رسالة سياسية واضحة بشأن موقف مدريد.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الزيارة الملكية المرتقبة باعتبارها انتقالاً من مرحلة إدارة الخلاف عبر القنوات الدبلوماسية إلى مرحلة أكثر وضوحاً في تثبيت الحضور الإسباني داخل المدينتين المحتلتين. فاختيار العاهل الإسباني أن يتوجه شخصياً إلى سبتة في 13 أكتوبر ثم إلى مليلية في اليوم الموالي، بعد غياب ملكي دام قرابة عقدين، يحمل بالنسبة إلى الرباط دلالة سياسية لا يمكن فصلها عن استمرار النزاع حول وضع المدينتين.

وتكتسب الخطوة بعداً أكثر حساسية بسبب الأزمة التي شهدتها سبتة خلال يوليوز الماضي، عندما دخل أكثر من 72 ألف شخص إلى المدينة خلال فترة قصيرة، وفق المعطيات التي أوردتها وكالة رويترز، وهي أزمة خلفت تداعيات أمنية وإنسانية وسياسية واسعة، وأعادت الحدود المغربية الإسبانية إلى دائرة التوتر. وقد نفت الرباط مسؤوليتها عن تلك الأحداث، بينما اعتبر الملك فيليبي السادس التدفق الجماعي «غير مقبول» ودعا إلى تحمل الاتحاد الأوروبي مسؤولية أكبر في التعامل مع أزمات الحدود.

وتأتي الزيارة أيضاً في ظل استمرار التداعيات الأمنية والسياسية للأزمة داخل سبتة، حيث فتحت وزارة الدفاع الإسبانية تحقيقاً داخلياً بعد اتهامات لمنظمة العفو الدولية بشأن سوء معاملة مهاجرين خلال عمليات أمنية مرتبطة بأحداث يوليوز، وهو ما يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى المشهد الذي ستجري فيه الزيارة الملكية.

ويعيد هذا التطور إلى الأذهان الزيارة التي قام بها الملك خوان كارلوس الأول والملكة صوفيا إلى سبتة ومليلية سنة 2007، والتي أعقبها توتر دبلوماسي بين الرباط ومدريد واستدعاء المغرب سفيره لدى إسبانيا للتشاور. وتأتي زيارة فيليبي السادس بعد نحو 19 عاماً من تلك المحطة، وفي سياق مختلف ظاهرياً، لكنه لا يخلو من ملفات خلافية عميقة، في مقدمتها وضع سبتة ومليلية المحتلتين.

واللافت أن الزيارة الجديدة تأتي في وقت كانت الرباط قد أعادت فيه طرح فكرة الحوار بشأن مستقبل المدينتين، بينما اختارت مدريد الرد بتأكيد رفضها مناقشة ما تعتبره جزءاً من سلامتها الترابية، ثم انتقلت إلى الإعلان عن زيارة ملكية إلى المدينتين. ومن منظور سياسي مغربي، يمكن أن يُفهم هذا التسلسل باعتباره تجاوزاً لمسار الحوار الذي دعت إليه الرباط، وتصعيداً للخطاب والممارسة الإسبانية بشأن ملف ظل لسنوات طويلة يدار بحذر شديد بين البلدين.

ولا يتعلق الأمر فقط بزيارة ملكية عادية، بل بحضور رأس الدولة الإسبانية في مدينتين يصفهما المغرب بالمحتلتين، في وقت تستمر فيه المطالبة المغربية بإدراج مستقبلهما ضمن حوار مباشر وهادئ مع إسبانيا. ولذلك فإن السؤال المطروح لا يرتبط فقط ببرنامج الزيارة، وإنما بما إذا كانت مدريد تريد من خلالها توجيه رسالة سياسية تتجاوز البعد الداخلي الإسباني، خصوصاً أن الإعلان عنها جاء بعد أسابيع من التصريحات المتبادلة حول مستقبل المدينتين.

وفي المقابل، لم يصدر إلى حدود الإعلان عن الزيارة موقف مغربي رسمي خاص بها، وهو ما يجعل أي حديث عن رد دبلوماسي مغربي مستقبلي سابقاً لأوانه. لكن الثابت أن ملف سبتة ومليلية عاد بقوة إلى واجهة العلاقات المغربية الإسبانية، وأن قرار العاهل الإسباني زيارة المدينتين المحتلتين يضع مدريد أمام مرحلة جديدة من التعامل مع ملف حساس ظل طوال عقود أحد أكثر الملفات قابلية لإحداث توتر بين البلدين.

وبينما تؤكد مدريد تمسكها بموقفها تجاه سبتة ومليلية، يتمسك المغرب بموقفه التاريخي والجغرافي الرافض لاستمرار الاحتلال الإسباني للثغرين، ما يجعل الزيارة المرتقبة محطة جديدة في نزاع لم يتم حسمه سياسياً. وفي ظل رفض إسباني معلن لمناقشة وضع المدينتين، مقابل دعوات مغربية إلى الحوار بشأن مستقبلهما، تبدو زيارة أكتوبر مرشحة لأن تعيد اختبار طبيعة العلاقة بين الرباط ومدريد، وأن تضع سؤال الحوار نفسه أمام اختبار جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى