فضيحة جديدة تهز القطاع الصحي.. إلى متى يستمر نزيف المستشفيات العمومية ومعاناة المرضى؟

مرة أخرى يعود القطاع الصحي إلى واجهة النقاش العمومي، ليس بسبب افتتاح مستشفى جديد أو تحسين الخدمات العلاجية، بل بسبب شبهة جديدة مرتبطة بمرفق صحي عمومي يفترض فيه أن يكون ملاذاً للمواطنين البسطاء الذين لا يملكون بديلاً عن المستشفى العمومي.
القرار الأخير القاضي بتوقيف طبيبة متخصصة عن العمل احتياطياً وإحالة ملفها على المسطرة التأديبية، على خلفية شبهات تتعلق بطلب مبالغ مالية وتوجيه مرضى نحو القطاع الخاص، أعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة ومتجددة حول واقع المنظومة الصحية بالمغرب، وحول حجم الاختلالات التي ما تزال تنخر بعض المؤسسات الصحية رغم الوعود المتكررة بالإصلاح.
القضية التي تفجرت داخل المستشفى الجهوي مولاي علي الشريف بمدينة الرشيدية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها حادثة معزولة أو ملفاً إدارياً عادياً، بل باعتبارها مؤشراً جديداً على أزمة أعمق يعيشها قطاع الصحة منذ سنوات، أزمة تتجاوز الأشخاص لتصل إلى مستوى الحكامة والتدبير والرقابة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
المواطن بين مطرقة المرض وسندان الانتظار
أصبح المواطن المغربي يعيش معاناة يومية داخل عدد من المستشفيات العمومية، حيث تتحول رحلة البحث عن العلاج في كثير من الأحيان إلى سلسلة طويلة من الانتظار والتعقيدات.
فالمواعيد الطبية قد تمتد لأسابيع أو أشهر، وبعض التخصصات تعرف خصاصاً حاداً في الأطر الطبية، بينما تضطر أسر عديدة إلى التنقل بين المدن بحثاً عن موعد أو سرير أو طبيب مختص.
وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه المواطن أن تساهم الإصلاحات المعلنة في تقريب الخدمات الصحية وتحسين جودتها، ما تزال شكاوى المرضى تتكرر حول الاكتظاظ ونقص التجهيزات وغياب الموارد البشرية وطول فترات الانتظار.
قصص مؤلمة لا تنتهي
خلال السنوات الأخيرة، توالت الشكايات والتقارير التي تتحدث عن معاناة مواطنين وأطفال ونساء حوامل مع بعض المرافق الصحية.
فكم من أسرة قضت ساعات طويلة أمام أبواب المستشفيات في انتظار تدخل طبي مستعجل؟ وكم من مريض اضطر إلى اللجوء إلى القطاع الخاص رغم محدودية دخله بسبب غياب المواعيد أو التأخر في الحصول على العلاج؟
هذه الوقائع التي تتكرر في عدد من المناطق أصبحت تؤثر بشكل مباشر على ثقة المواطنين في المنظومة الصحية العمومية، وتطرح تساؤلات جدية حول مآل الأوراش الإصلاحية التي تم الإعلان عنها خلال السنوات الأخيرة.
المسؤولية السياسية لا يمكن تجاهلها
صحيح أن الاختلالات داخل أي قطاع لا يمكن تحميلها لموظف أو طبيب أو مدير مؤسسة فقط، لكن المسؤولية السياسية والإدارية تبقى قائمة على مستوى الوزارة الوصية.
فوزارة الصحة الحالي أمين التهراوي القادم من عالم المولات و الذي لا تربطه بالصحة و القطاع سوى النزول من السماء لتسلم منصب وزاري من ذهب، هي الجهة المكلفة بوضع الاستراتيجيات وتتبع التنفيذ وضمان المراقبة وتقييم الأداء والتدخل لمعالجة الاختلالات.
وعندما تتكرر الشكايات المرتبطة بالخدمات الصحية، وعندما تتوالى التقارير التي تتحدث عن معاناة المواطنين داخل بعض المستشفيات، فإن النقاش لا بد أن يتجه نحو حصيلة التدبير ومدى نجاح السياسات المعتمدة في تحقيق الأهداف المعلنة.
اليوم، يتساءل كثير من المغاربة عن حصيلة الإصلاحات الصحية التي تم الترويج لها، وعن مدى انعكاسها الفعلي على واقع المستشفيات العمومية التي ما تزال تواجه تحديات كبيرة على مستوى الموارد البشرية والتجهيزات وجودة الاستقبال.
بين الورش الملكي والواقع الميداني
لقد أطلق جلالة الملك محمد السادس ورشاً استراتيجياً كبيراً يتعلق بتعميم الحماية الاجتماعية وضمان الولوج العادل إلى العلاج والخدمات الصحية.
ويعتبر هذا المشروع من أكبر الأوراش الاجتماعية في تاريخ المملكة الحديثة، بالنظر إلى ما يحمله من رهانات تتعلق بالعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
غير أن نجاح هذا الورش يظل رهيناً بوجود منظومة صحية قوية وقادرة على الاستجابة للطلب المتزايد على الخدمات الطبية.
فالتغطية الصحية وحدها لا تكفي إذا كان المواطن يجد نفسه أمام مستشفى يعاني من الخصاص أو أمام مواعيد بعيدة أو خدمات لا ترقى إلى مستوى الانتظارات.
محاربة الاختلالات تبدأ من المراقبة الصارمة
القضية الأخيرة تؤكد أهمية تفعيل آليات المراقبة والتفتيش وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل المؤسسات الصحية.
فالمواطن الذي يلجأ إلى المستشفى العمومي يجب أن يشعر بأن حقوقه مصانة وأن القانون يطبق على الجميع دون استثناء.
كما أن أي شبهة تمس نزاهة الخدمات الصحية تستوجب تحقيقاً شفافاً ودقيقاً يكشف الحقيقة كاملة ويحمي في الوقت نفسه حقوق جميع الأطراف وفق المساطر القانونية المعمول بها.
قطاع يحتاج إلى إنقاذ حقيقي
بعيداً عن لغة الأرقام والتقارير الرسمية، فإن المعيار الحقيقي لنجاح أي سياسة صحية يبقى هو شعور المواطن البسيط بتحسن الخدمات التي يتلقاها.
وحتى اليوم، ما تزال فئات واسعة من المغاربة تعتبر أن قطاع الصحة من أكثر القطاعات التي تحتاج إلى إصلاح عميق وجريء، إصلاح لا يقتصر على بناء المستشفيات أو الإعلان عن البرامج، بل ينعكس بشكل مباشر على جودة العلاج وسرعة الخدمات وكرامة المرضى.
إن ما يحدث داخل بعض المؤسسات الصحية ليس مجرد اختلالات معزولة، بل جرس إنذار جديد يدعو إلى مراجعة شاملة لواقع القطاع، وإلى تسريع وتيرة الإصلاحات، وإلى جعل مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.
فالحق في العلاج ليس امتيازاً، بل حق دستوري أساسي، وأي تأخر في إصلاح المنظومة الصحية يبقى ثمنه الأكبر هو معاناة المرضى والأسر المغربية التي تبحث فقط عن علاج يحفظ كرامتها وحقها في الحياة.






