مجتمع

عامل الجديدة سيدي صالح داحا في قلب أكبر تحدٍّ جماهيري.. ولد الحوات يشعل الختام والشهب الاصطناعية تتوج 8 أيام استثنائية أمام ملايين الزوار

أسدل الستار، مساء الجمعة 14 غشت 2026، على فعاليات موسم مولاي عبد الله أمغار بإقليم الجديدة، في دورة استثنائية جمعت بين التبوريدة والفروسية والتراث والفن والأنشطة الدينية والثقافية، وحولت جماعة مولاي عبد الله على مدى ثمانية أيام إلى واحدة من أكبر بؤر الاستقطاب الجماهيري بالمغرب.

وجاءت الليلة الختامية بحجم تظاهرة باتت تتجاوز في إشعاعها حدود موسم محلي، حيث اعتلى الفنان الشعبي سعيد ولد الحوات منصة الختام أمام حشود جماهيرية قدرت بأكثر من نصف مليون شخص، قبل أن تتوج السهرة بإطلاق عروض الشهب الاصطناعية التي أضاءت سماء مولاي عبد الله، معلنة نهاية دورة استثنائية طبعت المشهد الثقافي والتراثي والفني والاقتصادي بإقليم الجديدة.

وتكتسب هذه الأرقام دلالتها من حجم الموسم نفسه؛ فقد أعلنت اللجنة المنظمة قبل انطلاق دورة 2026 أنها تتوقع استقبال حوالي 800 ألف زائر يومياً في فترات الذروة، فيما جرى تقديم تقديرات إجمالية تقارب ستة ملايين زائر خلال مختلف أيام التظاهرة. كما كان منتظراً أن تعرف الدورة مشاركة أكثر من 140 سربة وما يزيد عن 2500 فارس، إلى جانب برنامج ديني وثقافي وفني واسع.

داحا يختار الميدان.. وعامل الجديدة أمام امتحان استثنائي

لكن وراء الأرقام والصور والسهرة الختامية، كان هناك امتحان آخر أكثر صعوبة: كيف يمكن تدبير هذا التدفق البشري الهائل، وتأمين فضاءات الموسم، وضمان انسيابية حركة المواطنين، وحماية الفرسان والزوار، ومواكبة السهرات التي تستقطب عشرات ومئات الآلاف؟

هنا برز حضور عامل إقليم الجديدة سيدي صالح داحا، الذي اختار، على امتداد أيام الموسم، أن يكون في قلب الميدان، متابعاً تفاصيل الحدث عن قرب، ومواكباً عمل السلطات المحلية والقوات العمومية ومختلف المصالح المتدخلة.

ولم يكن الأمر يتعلق بحضور بروتوكولي عابر، وإنما بحضور ميداني فرضته طبيعة الحدث وحجمه. فالتظاهرة التي كان منظموها يتوقعون أن تستقطب نحو 800 ألف زائر يومياً في أوقات الذروة، تحتاج إلى قيادة ترابية تتابع الواقع لحظة بلحظة، وتنسق بين المتدخلين، وتتعامل بسرعة مع أي مستجد.

ومن هذه الزاوية، أظهر داحا حضوراً لافتاً لرجل الإدارة الترابية الذي يضع الميدان في صلب التدبير، خصوصاً أن مهمته لم تكن تنتهي عند الاجتماعات أو التعليمات، بل كانت تمتد إلى فضاءات الموسم وساحاته ونقاط التجمع ومواقع التبوريدة والفضاءات الفنية.

من البذلة الرسمية إلى الحذاء العسكري.. صورة رجل الإدارة في قلب الحشود

ومن الصور التي طبعت هذه الدورة، نزول عامل الإقليم إلى الميدان بلباس  وحذاء عسكري، في ابتعاد واضح عن الصورة البروتوكولية التقليدية.

كانت الرسالة التي تحملها هذه الصورة واضحة: موسم بهذا الحجم لا يُدار من المكاتب.

فالوجود وسط القوات العمومية والسلطات المحلية ومختلف المتدخلين يسمح للمسؤول الترابي بالوقوف مباشرة على طبيعة الوضع، ومراقبة حركة الجمهور، وتتبع تدبير المداخل والمخارج، ومعاينة ظروف اشتغال مختلف الفرق التي تتحمل مسؤولية حماية آلاف المواطنين في كل لحظة.

وإذا كان نجاح أي موسم يقاس في النهاية بما يراه الجمهور من فرجة وتنظيم، فإن الجزء الأكبر من هذا النجاح يصنع بعيداً عن المنصة، في نقاط المراقبة، وممرات السيارات، ومداخل الفضاءات، ومواقع التبوريدة، وفي عمليات التدخل والاستباق التي تمنع المشكل قبل أن يتحول إلى أزمة.

القوات العمومية.. الجبهة التي لا تراها الجماهير

خلف مشاهد الفروسية والسهرات والاحتفالات، اشتغلت مختلف مكونات القوات العمومية والسلطات الترابية على تأمين واحد من أكبر التجمعات الجماهيرية التي يعرفها المغرب.

الدرك الملكي، الأمن الوطني، القوات المساعدة، السلطات المحلية، الوقاية المدنية، والمصالح المختلفة، كانت مطالبة بالتعامل مع تدفق بشري كبير، وتنظيم حركة السير، وحماية الفضاءات، والتدخل عند الضرورة، وتأمين السهرات الليلية، ومواكبة عروض التبوريدة والفروسية.

والنجاح الأمني في مثل هذه المناسبات لا يقاس بعدد التدخلات التي تصل إلى الجمهور، بل بعدد المشاكل التي جرى منعها قبل وقوعها.

فحين يدخل مئات الآلاف إلى فضاءات محددة، وتستمر العروض والسهرات حتى ساعات متأخرة، وتبقى حركة الجماهير والسيارات تحت السيطرة، فإن وراء ذلك شبكة واسعة من التخطيط والانتشار والتنسيق.

وهنا تبرز أهمية القيادة الترابية التي تجمع مختلف المتدخلين حول هدف واحد: أن يعيش المواطن فرجته في ظروف آمنة، وأن ينتهي الموسم دون أن تتحول الكثافة الجماهيرية إلى مصدر للفوضى.

موسم 2026.. أكثر من ستة ملايين في قلب دكالة

لم تأتِ ضخامة الحضور من فراغ. فموسم مولاي عبد الله أمغار راكم خلال السنوات الماضية حضوراً جماهيرياً استثنائياً، وكانت دورة 2025 قد سجلت، وفق المعطيات المنشورة عقب اختتامها، أكثر من ستة ملايين زائر على امتداد أيام الموسم.

أما دورة 2026، فقد رُفع سقف التوقعات منذ البداية، مع الحديث عن استقبال نحو ستة ملايين زائر، وبلوغ التدفق اليومي مستويات تناهز 800 ألف زائر في أوقات الذروة.

وهذا الحجم يجعل الموسم واحداً من أكبر التظاهرات الجماهيرية بالمملكة، ويضع إقليم الجديدة أمام مسؤولية استثنائية في تدبير الحشود والنقل والنظافة والصحة والأمن والخدمات.

كما أن مشاركة أكثر من 140 سربة وما يزيد عن 2500 فارس كانت بدورها مؤشراً على الحجم الكبير الذي وصلت إليه التظاهرة، التي لم تعد تقتصر على التبوريدة، وإنما أصبحت فضاءً يجمع بين التراث والفروسية والثقافة والفن والاقتصاد المحلي.

التبوريدة في الواجهة.. والتراث يحافظ على مكانته

وظلت التبوريدة، كما في الدورات السابقة، قلب الموسم النابض، حيث توافدت السربات من مختلف المناطق لتقديم عروضها أمام جمهور واسع.

وتعزز حضور الفروسية بعروض الصيد بالصقور، إلى جانب الأنشطة الدينية والثقافية التي شملت محاضرات وندوات ومسابقات في حفظ القرآن ومجالس الذكر والمديح، فيما شهدت المنصة الفنية ليالي غنائية شارك فيها عدد من الأسماء المعروفة في الأغنية الشعبية والتراثية المغربية.

وبذلك حافظ الموسم على هويته الأصلية، مع انفتاح متزايد على الفنون والأنشطة الاقتصادية والثقافية، وهو ما يفسر قدرته على جذب جمهور واسع من مختلف جهات المملكة.

ولد الحوات.. صوت الختام أمام نصف مليون متفرج

وفي الليلة الأخيرة، كان سعيد ولد الحوات أحد أبرز عناوين المشهد، حيث اختار المنظمون أن يسدلوا الستار بسهرة شعبية قوية، تتناسب مع حجم الجمهور الذي ظل يتوافد على الموقع حتى الساعات الأخيرة.

وتحولت السهرة إلى لحظة جماهيرية كبرى، مع حضور فاق نصف مليون شخص وفق التقديرات المتداولة، قبل أن تأتي عروض الشهب الاصطناعية لتمنح المشهد خاتمة بصرية احتفالية.

وهكذا لم يكن الختام مجرد نهاية لسهرة فنية، وإنما نهاية لثمانية أيام من الحركة المتواصلة، كان خلالها الإقليم أمام تدفق جماهيري استثنائي.

داحا.. رجل الإدارة الذي اختار سياسة القرب والميدان

وإذا كانت الأضواء قد سلطت خلال الختام على الفنان والجمهور والشهب الاصطناعية، فإن جزءاً كبيراً من نجاح التدبير كان قد صنع في الميدان طوال الأيام السابقة.

فحضور عامل الإقليم سيدي صالح داحا لم يكن منفصلاً عن طريقة اشتغاله منذ توليه مسؤولية تدبير إقليم الجديدة، حيث سبق أن ظهر في زيارات ميدانية لتتبع الأوراش والمشاريع، ومن بينها زيارته لسوق الجملة الجديد بجماعة مولاي عبد الله، التي شدد خلالها على تسريع الأشغال وإخراج المشروع إلى حيز الوجود.

كما أن حضوره في الجماعات الترابية واعتماده على الزيارات الميدانية والتواصل المباشر مع الفاعلين المحليين ينسجم مع مقاربة تقوم على القرب وتتبع الملفات من مواقعها بدل الاكتفاء بالتقارير المكتبية.

وهذه الخلفية تفسر، إلى حد كبير، الحضور المكثف للعامل خلال موسم مولاي عبد الله أمغار، لأن تدبير حدث بهذا الحجم يتطلب معرفة دقيقة بالمجال وبالمصالح المتدخلة وبطبيعة الإكراهات التي يمكن أن تظهر في كل لحظة.

حين تتحول السلطة الترابية إلى غرفة قيادة في الهواء الطلق

ثمانية أيام من التدفق الجماهيري تعني أن رجل الإدارة الترابية أمام عملية تدبير مستمرة: اجتماع، قرار، مراقبة، تدخل، تنسيق، ثم العودة إلى الميدان.

ولذلك فإن النزول المتكرر إلى ساحات الموسم ومواكبة القوات العمومية والسلطات المحلية لا يمكن اختزاله في صورة إعلامية، وإنما يمثل جزءاً من فلسفة تدبير تضع المسؤول في مواجهة الواقع مباشرة.

وعندما يكون أمامك مئات الآلاف من الأشخاص في فضاء واحد، فإن القرارات لا تحتمل دائماً الانتظار، والتنسيق لا يمكن أن يبقى حبيس المكاتب.

وهنا تحديداً تظهر قيمة رجل الإدارة الترابية القادر على الحضور في اللحظة المناسبة، والتواصل مع مختلف الأجهزة، وقراءة المشهد الميداني، واتخاذ القرار عندما تستدعي الضرورة.

تنظيم الموسم.. عمل جماعي وليس مجهود جهة واحدة

ومع إبراز دور عامل الإقليم، يبقى من الضروري التأكيد أن نجاح موسم مولاي عبد الله أمغار لم يكن نتيجة عمل شخص واحد.

فالسلطات المحلية، والقوات العمومية، والمصالح الصحية، والوقاية المدنية، والجماعة الترابية، والمجلس الإقليمي، والمجلس العلمي، والجهات المنظمة، والفرق التقنية واللوجستية، إضافة إلى مئات العاملين خلف الكواليس، جميعها ساهمت في إخراج الدورة إلى نهايتها.

وهذه الحقيقة مهمة لأن حجم الموسم يجعل نجاحه رهيناً بالتنسيق بين عدد كبير من المؤسسات والمصالح، وليس بقرار منفرد.

وقد أعلنت الجهة المنظمة قبل انطلاق الدورة أن إجراءات واسعة اتخذت لضمان الانسيابية والسلامة، خصوصاً مع توقعات استقبال أعداد ضخمة من الزوار ومشاركة قياسية للفرسان والسربات.

من موسم شعبي إلى موعد وطني كبير

لقد تجاوز موسم مولاي عبد الله أمغار منذ سنوات صورته التقليدية كموسم محلي، وأصبح موعداً وطنياً يستقطب أعداداً ضخمة من المواطنين، ويخلق حركة اقتصادية وتجارية وسياحية واسعة في المنطقة.

فالزائر لا يأتي فقط لمشاهدة التبوريدة، بل يأتي للعيش داخل فضاء يجمع الفروسية والتراث والفرجة والفن والمنتجات المحلية والأنشطة الدينية والثقافية.

ولهذا فإن الاستثمار في التنظيم والبنية التحتية والخدمات لم يعد ترفاً، بل أصبح ضرورة تفرضها المكانة التي وصل إليها الموسم.

وقد تحدثت معطيات دورة 2026 عن رصد 36 مليون درهم لتعزيز البنية التحتية والشبكات، في مؤشر على حجم الرهان الموضوع على تطوير محيط التظاهرة ومواكبة النمو الكبير في أعداد الزوار.

نهاية موسم.. وبداية تحد جديد

مع مغادرة آخر الزوار، وانطفاء آخر أضواء المنصة، وانتهاء عرض الشهب الاصطناعية، لا تنتهي قصة موسم مولاي عبد الله أمغار.

بل تبدأ مرحلة تقييم ما تحقق، وما يمكن تحسينه، وكيف يمكن جعل دورة العام المقبل أكثر تنظيماً وأماناً وانسيابية.

فالموسم الذي يستقطب ملايين الزوار يحتاج إلى تطوير دائم في البنية التحتية، ومداخل ومخارج أكثر كفاءة، ومواقف سيارات منظمة، وخدمات صحية وأمنية ولوجستية تواكب حجم التظاهرة، فضلاً عن تعزيز فضاءات التبوريدة وتحسين ظروف الفرسان والجمهور.

أما دورة 2026، فقد أسدلت الستار على مشهد كبير: سعيد ولد الحوات فوق المنصة، أكثر من نصف مليون شخص في فضاء الختام، الشهب الاصطناعية في السماء، وفي الخلفية قوات عمومية وسلطات ومصالح مختلفة أنهت ثمانية أيام من العمل المتواصل.

وفي قلب هذه الصورة وقف عامل إقليم الجديدة سيدي صالح داحا، الذي اختار الميدان بدل الاكتفاء بالبروتوكول، وواكب الحدث من داخله، في واحد من أكبر اختبارات الإدارة الترابية المرتبطة بتدبير الحشود بالمغرب.

لقد كان موسم مولاي عبد الله أمغار 2026، بكل ما حمله من أرقام وحضور وفرجة، امتحاناً جماعياً للتنظيم والأمن والتدبير. وإذا كان الجمهور قد شاهد التبوريدة وسمع الموسيقى واستمتع بالشهب الاصطناعية، فإن نجاح هذه الفرجة كان وراءه عمل طويل ومتواصل لم يظهر كله أمام الكاميرات.

وهنا تكمن الصورة الأهم للختام: موسم ضخم ينتهي، ملايين الزوار يغادرون، والقوات العمومية تعود إلى مواقعها، والسلطات تضع آخر اللمسات على عملية الإغلاق، بينما يظل السؤال مفتوحاً حول كيفية الارتقاء بهذه التظاهرة في السنوات المقبلة لتصبح أكثر تنظيماً، وأكثر قدرة على استثمار قوتها الجماهيرية والتراثية والاقتصادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى