اقتصاد

جودة المياه بجهة فاس _ مكناس تحت المجهر.. مراقبة مستمرة تنسف الإشاعات والشركة الجهوية متعددة الخدمات تضع الحكامة والإنصات في صلب تدبير المرفق العمومي

في وقت تتداول فيه من حين إلى آخر معطيات غير دقيقة على منصات التواصل الاجتماعي بشأن جودة المياه الصالحة للشرب بجهة فاس–مكناس، تؤكد المعطيات المرتبطة بمنظومة المراقبة المعتمدة أن جودة المياه الموزعة تخضع لمراقبة منتظمة ومتعددة المستويات، وأن الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس تضع سلامة المياه في صدارة التزاماتها تجاه ساكنة الجهة، مع اعتماد منظومة تقنية ومخبرية تروم التحقق المستمر من مطابقة المياه للمعايير المعمول بها.

وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى اتساع مجال تدخل الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس، التي أصبحت منذ يوليوز 2025 الفاعل المكلف بتدبير خدمات توزيع الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل على مستوى مختلف عمالات وأقاليم الجهة، في إطار ورش إعادة تنظيم وتحديث تدبير المرافق العمومية المحلية.

الماء الصالح للشرب.. مراقبة تبدأ من المصدر ولا تنتهي عند الصنبور

خلافاً لما تحاول بعض الإشاعات الترويج له، فإن مراقبة جودة المياه ليست عملية عرضية أو مرتبطة بظهور شكاية، وإنما منظومة مستمرة تشمل مختلف مراحل إنتاج وتخزين وتوزيع المياه.

وتشمل هذه المراقبة أخذ عينات من منشآت التخزين ومختلف نقاط الشبكة ومناطق التوزيع، وإخضاعها لتحاليل فيزيائية وكيميائية وبيولوجية، بهدف التأكد من سلامة المياه ومطابقتها للمعايير المعتمدة.

وتتوفر الشركة، بحسب المعطيات المنشورة حول منظومتها، على ثلاثة مختبرات جهوية مجهزة لإجراء التحاليل المرتبطة بجودة المياه، إلى جانب الاستعانة بمختبرات خارجية مستقلة ومعتمدة لإجراء تحاليل موازية، بما يعزز التدقيق في النتائج ويدعم منظومة المراقبة والشفافية.

وبذلك، فإن الحديث عن “غياب مراقبة جودة المياه” أو تقديم الأمر وكأنه يخضع لتقديرات ظرفية لا يستقيم مع طبيعة المنظومة المعتمدة، والتي تقوم على أخذ العينات والتحليل والتتبع والتدخل عند الحاجة.

لا تغيير في مصادر المياه.. والإشاعة لا تصبح حقيقة بمجرد تداولها

ومن بين المعطيات التي تستوجب التوضيح، ما يتم تداوله أحياناً حول تغيير مصادر المياه أو تراجع جودتها بسبب تغييرات مفترضة في منظومة التزويد.

المعطيات المتوفرة تؤكد أن مصادر المياه المعتمدة لتزويد مختلف مناطق الجهة لم يطرأ عليها تغيير، وبالتالي فإن ما يتم تداوله من ادعاءات تربط بين “تغيير المصدر” و”تراجع جودة المياه” لا يستند إلى معطيات مثبتة.

وهنا تبرز أهمية التواصل المؤسساتي، لأن المرفق العمومي لا يمكن أن يترك المواطن أمام الأخبار المتداولة دون توضيح، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالماء، باعتباره خدمة أساسية وموضوعاً يرتبط مباشرة بالصحة العامة والثقة في المؤسسات.

الشركة الجهوية.. سنة أولى عنوانها إعادة بناء نموذج التدبير

الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس لا تشتغل فقط على تدبير الوضع القائم، بل توجد في قلب تحول مؤسساتي يروم الانتقال إلى نموذج جهوي جديد في تدبير الماء والكهرباء والتطهير السائل.

ومنذ انطلاقها، قدمت الشركة نفسها باعتبارها فاعلاً عمومياً جهوياً مكلفاً بضمان استمرارية الخدمات، وتطوير البنيات التحتية، وتقليص الفوارق المجالية، وتحسين جودة التدبير، مع وضع المواطن في قلب الخدمة العمومية.

وقد شكلت سنة 2025 أول سنة مالية كاملة للشركة في ممارسة اختصاصاتها الجديدة، فيما شكل اجتماع مجلسها الإداري المنعقد في يونيو 2026 محطة لتقييم الحصيلة وبرامج الاستثمار المقبلة، بما يعكس دخول المؤسسة مرحلة جديدة من ترسيخ نموذجها التدبيري.

وهذا التحول لا يتعلق فقط بتغيير اسم الجهة المدبرة، وإنما بإعادة بناء منظومة كاملة تقوم على الحكامة والنجاعة والرقمنة وتطوير الموارد البشرية والاستثمار في الشبكات وتقوية علاقة المؤسسة بالمرتفق.

الحكامة.. من الشعار إلى طريقة اشتغال

أحد أبرز التحولات التي بدأت تبرز في طريقة اشتغال الشركة هو إعطاء الحكامة مكانة مركزية في تدبير المرفق.

فالشركة تؤكد في برامجها وخطط عملها على تحسين جودة الخدمات، وتطوير التدخلات الميدانية، وإرساء تدبير مندمج للشبكات، وتعزيز التواصل مع مختلف المتدخلين، مع جعل الزبون في قلب الاهتمام.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في قطاع لا يمكن أن ينجح فيه التدبير التقني وحده؛ فالماء والكهرباء والتطهير السائل خدمات يومية، وأي خلل فيها ينعكس فوراً على المواطن، ولذلك فإن سرعة التدخل ووضوح المعلومة والتواصل مع المرتفق أصبحت جزءاً من جودة الخدمة نفسها.

التواصل مع الساكنة.. حين يصبح الإنصات جزءاً من الخدمة

وتعمل الشركة أيضاً على تعزيز حضورها التواصلـي من خلال نشر البلاغات والتوضيحات وإخبار المواطنين بالمستجدات المرتبطة بالخدمات، إلى جانب تنظيم لقاءات ميدانية مع الساكنة والمنتخبين والسلطات والمتدخلين.

وقد شهدت سنة 2026 إطلاق جولات تواصلية ميدانية بعدد من أقاليم الجهة، بهدف الاستماع المباشر إلى انشغالات المواطنين ومناقشة الإشكالات المرتبطة بالماء والكهرباء والتطهير السائل والبحث عن حلول عملية قابلة للتنزيل. وشكلت محطة تازة، على سبيل المثال، مناسبة لتقوية التواصل المؤسساتي والاقتراب أكثر من انتظارات الساكنة، خصوصاً بالمجالين القروي وشبه الحضري.

وهذه الدينامية تعني أن الشركة لا تريد أن تكون مجرد مؤسسة تظهر عند إصدار الفواتير أو وقوع الأعطاب، وإنما مؤسسة حاضرة في المجال، تستمع إلى المواطنين وتشرح لهم وتطلعهم على ما يجري.

تدبير الأعطاب.. التوضيح بدل ترك الفراغ أمام الإشاعة

ومن الأمثلة التي كشفت أهمية التواصل المؤسساتي، الاضطرابات التي عرفها التزويد بالماء في عدد من أحياء فاس ومكناس خلال يوليوز الماضي.

فالشركة خرجت آنذاك بتوضيح للرأي العام، وربطت الاضطرابات بكسر مفاجئ في قناة الجر الرئيسية القادمة من سد إدريس الأول التابعة للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب – قطاع الماء، مؤكدة تعبئة فرق تقنية وميدانية لتسريع عودة التزويد.

وهنا يتضح الفرق بين وجود اضطراب تقني مؤقت وبين الحديث عن “تراجع جودة المياه”. فالأعطاب التي قد تؤثر على الاستمرارية أو الضغط أو التزويد تحتاج إلى تدبير تقني وتواصل سريع، لكنها لا تعني تلقائياً وجود مشكلة في سلامة المياه.

من جودة المياه إلى حماية الموارد

ولا تقف مسؤولية الشركة عند حدود معالجة المياه وتوزيعها، وإنما تمتد إلى حماية الموارد المائية والبيئية المرتبطة بها.

وفي هذا السياق، تواصل الشركة برامج مرتبطة بمحاربة التلوث الصناعي وحماية حوض سبو، ومن بينها الإجراءات المرتبطة بالمياه العادمة الناتجة عن عصر الزيتون، في إطار حماية الموارد المائية والبيئة وضمان استدامة المنظومة المائية.

وهو توجه يؤكد أن مفهوم جودة المياه أصبح مرتبطاً بسلسلة متكاملة تبدأ بحماية المورد المائي، وتمر بالتخزين والمعالجة والمراقبة والتوزيع، وصولاً إلى الصنبور.

شركة عمومية جديدة أمام رهان كبير

الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس وجدت نفسها منذ انطلاقها أمام مسؤولية ضخمة، بالنظر إلى المجال الترابي الواسع الذي تغطيه وتعدد حاجيات المدن والمراكز والقرى التابعة للجهة.

والرهان الحقيقي بالنسبة إليها لا يتمثل فقط في ضمان استمرار الماء والكهرباء والتطهير السائل، بل في بناء ثقة جديدة بين المواطن والمرفق العمومي.

وهذه الثقة لا تبنى بالبلاغات وحدها، وإنما بجودة الخدمة، والاستجابة للشكايات، وسرعة التدخل، ودقة المعلومة، والشفافية، والقدرة على الاعتراف بالخلل عندما يقع ومعالجته، وفي المقابل التصدي للمعلومات غير الصحيحة التي قد تخلق حالة من القلق دون سند واقعي.

الاستثمار في الشبكات.. المعركة الصامتة لتحسين الخدمة

وتتطلب هذه المسؤولية استثمارات متواصلة في الشبكات والمنشآت وقدرات التخزين والتجهيزات التقنية، إلى جانب تجديد البنيات المتقادمة وتحسين الأداء والرفع من نجاعة التدخلات.

وتفيد المعطيات المرتبطة ببرامج الشركة أن سنة 2026 تعرف مواصلة تنزيل عدد من المشاريع المبرمجة في قطاعات الماء والكهرباء والتطهير، ضمن برامج استثمارية تهدف إلى تحسين البنيات التحتية وضمان استمرارية الخدمات. كما تم خلال اجتماع خاص بتتبع البرامج بمكناس استعراض مشاريع مبرمجة برسم السنة المالية 2026 تفوق قيمتها 450 مليون درهم.

وبذلك، فإن جودة الماء ليست ملفاً منفصلاً عن الاستثمار؛ فكلما تطورت الشبكات والمنشآت وتحسنت أنظمة المراقبة والتدخل، ارتفعت قدرة المرفق على ضمان خدمة أكثر استقراراً ونجاعة.

استراتيجية جديدة عنوانها: الحكامة والجودة والإنصات والتواصل

ما يتشكل داخل الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس يمكن اختزاله في أربعة عناوين رئيسية: الحكامة، الجودة، الإنصات والتواصل.

الحكامة لضمان تدبير مسؤول وفعال للمرفق، والجودة لضمان خدمة تستجيب للمعايير والانتظارات، والإنصات لفهم المشاكل الحقيقية التي تواجه المواطنين، والتواصل لتقديم المعلومة في الوقت المناسب وعدم ترك الفراغ أمام التأويلات والإشاعات.

وهذه المقاربة تضع الزبون في قلب الخدمة العمومية، وليس في نهايتها فقط.

فالمواطن الذي يريد معرفة سبب اضطراب مؤقت في التزويد يحتاج إلى معلومة واضحة، والذي يطرح شكاية يحتاج إلى قناة تواصل فعالة، والذي يسمع خبراً عن جودة المياه يحتاج إلى جواب مؤسساتي موثوق، وليس إلى مزيد من الإشاعات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.

لا مجال للتهويل عندما يتعلق الأمر بالماء

ويبقى من الضروري التعامل بمسؤولية مع كل ما يرتبط بالماء الصالح للشرب، لأن نشر أخبار غير دقيقة حول سلامة المياه يمكن أن يزرع الخوف لدى الأسر ويقوض الثقة في خدمة عمومية حيوية.

وفي المقابل، فإن المراقبة المستمرة لا تعني أن المرفق العمومي معصوم من الأعطاب أو الإشكالات التقنية، بل تعني وجود منظومة لرصدها والتدخل بشأنها ومعالجتها، مع ضرورة إخبار المواطنين بكل مستجد يهمهم.

ومن خلال المعطيات المتاحة حول منظومة المراقبة، فإن الحديث عن غياب مراقبة جودة المياه لا يجد ما يسنده، في ظل وجود تحاليل منتظمة ومختبرات متخصصة واستعانة بجهات خارجية مستقلة للتحقق من النتائج.

وفي المحصلة، فإن الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس تبدو أمام مرحلة تأسيسية حاسمة، عنوانها الانتقال من مجرد تدبير المرفق إلى بناء نموذج جهوي جديد للخدمة العمومية، قوامه الحكامة والنجاعة والاستثمار والتواصل والقرب من المواطن.

أما جودة المياه، التي تحاول بعض الأصوات تحويلها إلى مادة للإشاعة والتهويل، فتظل بالنسبة إلى الشركة ملفاً تقنياً ومؤسساتياً يخضع للمراقبة والتحليل والتتبع، وليس موضوعاً للمزايدة أو التداول غير المسؤول.

والرهان الأهم خلال المرحلة المقبلة هو أن تواصل الشركة نشر المعطيات والتوضيحات، وتعزيز قنوات التواصل والإنصات، وتكثيف الاستثمار في الشبكات والمختبرات والموارد البشرية، حتى تصبح الثقة في المرفق العمومي مبنية على المعلومة الدقيقة وجودة الخدمة ونتائج ملموسة على أرض الواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى