من الملاعب المتهالكة إلى حدائق تستعيد الحياة.. الوالي آيت طالب يطلق دينامية جديدة لتأهيل الأحياء الشعبية بفاس

تدخل مدينة فاس مرحلة جديدة من إعادة تأهيل مرافق القرب، في توجه يضع الأحياء الشعبية في صلب الحركية التنموية التي تعرفها العاصمة العلمية خلال الأشهر الأخيرة، بعدما انتقلت السلطات الولائية من تشخيص وضعية عدد من الفضاءات المتدهورة إلى إطلاق تدخلات ميدانية تستهدف إعادة الاعتبار للملاعب والحدائق والمرافق الاجتماعية التي ظلت لسنوات تعاني من الإهمال أو تعرضت للتخريب والتلف.
وفي قلب هذه الدينامية يبرز والي جهة فاس ـ مكناس، خالد آيت طالب، الذي اختار، وفق المعطيات المتوفرة، تكثيف الخرجات والزيارات الميدانية إلى عدد من أحياء ومقاطعات المدينة، للوقوف بشكل مباشر على وضعية المرافق العمومية، وخاصة تلك التي تستقبل الأطفال والشباب وتشكل متنفساً يومياً لساكنة الأحياء الشعبية.
وتكشف هذه الزيارات عن مقاربة تقوم على الانتقال من المكاتب إلى الميدان، ورصد الاختلالات كما هي على أرض الواقع، قبل اتخاذ قرارات عملية بشأنها. ومن بين أبرز الملاحظات التي فرضت نفسها خلال هذه الجولات، الحالة المتردية لعدد من ملاعب القرب، وتهالك بعض الحدائق والفضاءات الخضراء، فضلاً عن مرافق سبق إنجازها في إطار برامج اجتماعية وتنموية، لكنها فقدت جزءاً كبيراً من وظيفتها بسبب التخريب أو غياب الصيانة المنتظمة.
حين تتحول الزيارة الميدانية إلى قرار بالتدخل
اللافت في المقاربة الحالية أن الوقوف على وضعية هذه المرافق لم يتوقف عند تسجيل الملاحظات، بل أعقبه الدفع نحو تدخلات استعجالية لإعادة فتح هذه الفضاءات أمام مستعمليها، خصوصاً الأطفال والشباب.
وتتولى شركة فاس الجهة للتهيئة جانباً مهماً من تنزيل هذه الأوراش، باعتبارها أداة تنفيذية للمشاريع المهيكلة التي يتم إطلاقها بالمدينة وبعدد من أقاليم جهة فاس ـ مكناس، حيث انتقلت مجموعة من المشاريع من مرحلة البرمجة إلى الأشغال الفعلية.
ويأتي ذلك في سياق أوسع تعرف خلاله فاس تسارعاً في أوراش التأهيل الحضري، إذ سبق أن برز دور الشركة في مشاريع مرتبطة بالبنيات الرياضية والفضاءات العمومية والتهيئة الحضرية، تحت تتبع ميداني لولاية الجهة. كما أن برنامج التأهيل الحضري للفترة 2026 ـ 2028 الذي تمت مناقشته على مستوى جهة فاس ـ مكناس يشمل تأهيل عدد من المرافق الحيوية وتحسين ظروف عيش الساكنة، بحضور ممثلين عن شركة فاس الجهة للتهيئة ومختلف المصالح المعنية.
ملاعب القرب.. إعادة الاعتبار لفضاءات الشباب
يحتل تأهيل ملاعب القرب موقعاً متقدماً في هذه الدينامية، بالنظر إلى الدور الاجتماعي الذي تؤديه هذه الفضاءات داخل الأحياء المكتظة، حيث تمثل بالنسبة إلى عدد كبير من الأطفال والشباب المتنفس الرياضي والترفيهي الأقرب إلى مساكنهم.
ومن بين المشاريع التي أخذت طريقها إلى التنفيذ مشروع تأهيل ملعب الشعبة، المعروف أيضاً بملعب الحفرة، بمقاطعة المرينيين، وهو فضاء ارتبط لسنوات بذاكرة شباب المنطقة. وقد قام والي الجهة بزيارة ميدانية للمشروع، ووقف على سير الأشغال، في خطوة رافقتها تعبئة شركة فاس الجهة للتهيئة لتنزيل المشروع.
وتكتسي هذه المشاريع أهمية خاصة بالنسبة إلى الأحياء الشعبية، لأن الرهان لا يتعلق بمجرد وضع عشب اصطناعي أو إصلاح سياج وتجهيزات، وإنما بإعادة توفير فضاءات آمنة ومنظمة يمكن للشباب ممارسة الرياضة فيها، وللأطفال قضاء أوقات فراغهم بعيداً عن الشارع والفضاءات غير المؤهلة.
وفي هذا الإطار، تتواصل أشغال تغيير وتأهيل العشب الاصطناعي بعدد من ملاعب القرب التي تضررت تجهيزاتها أو تدهورت حالتها، على أن تكون مجموعة منها جاهزة للاستغلال خلال الأسابيع المقبلة، وفق وتيرة الأشغال الجارية.
وتأتي هذه العملية في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى بنية رياضية للقرب تستجيب للنمو الديمغرافي للأحياء، وتمنح المواهب الرياضية المحلية فضاءات ملائمة للتدريب والممارسة، خصوصاً أن جمعيات رياضية بجهة فاس ـ مكناس كانت قد أثارت خلال الأشهر الماضية إشكالات مرتبطة بحالة الملاعب والبنية التحتية الرياضية.
الحدائق.. استعادة الفضاءات الخضراء داخل المدينة
ولا يقتصر البرنامج على الملاعب الرياضية، إذ تمتد التدخلات إلى الحدائق والفضاءات الخضراء التي تشكل جزءاً أساسياً من جودة الحياة داخل الأحياء.
ومن أبرز النماذج المطروحة مشروع إعادة تهيئة حديقة للا أمينة، المعروفة لدى سكان فاس باسم حديقة “الريكس”، حيث انطلقت تدخلات لإعادة الاعتبار لهذا الفضاء وتحويله إلى متنفس حضري أكثر تنظيماً وجاذبية، مع معالجة عدد من النقاط التي ظلت تؤثر على المشهد العام للموقع. وتشرف شركة فاس الجهة للتهيئة على إنجاز المشروع، في إطار الدينامية الحالية لتأهيل الفضاءات العمومية.
كما تتجه التدخلات إلى تعزيز عدد من الحدائق بمرافق وتجهيزات صحية وخدمات أساسية، بما يجعل عملية التأهيل تتجاوز الجانب الجمالي إلى توفير شروط أفضل لاستعمال هذه الفضاءات من طرف العائلات والأطفال وكبار السن.
وهنا تبرز أهمية المقاربة الجديدة، لأن الحديقة العمومية لا ينبغي أن تكون مجرد مساحة خضراء، وإنما مرفقاً اجتماعياً مفتوحاً، يحتاج إلى الإنارة والتجهيز والنظافة والمرافق الصحية والأمن والصيانة المستمرة حتى يؤدي وظيفته كاملة.
مرافق أنجزت في إطار المبادرة الوطنية.. والتحدي هو الحفاظ عليها
وتطرح عملية إعادة تأهيل عدد من المرافق التي سبق إنجازها في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تحدياً آخر لا يقل أهمية عن عملية البناء نفسها.
فبعض هذه المنشآت، التي كان الهدف منها توفير فضاءات اجتماعية ورياضية وترفيهية للأحياء، تعرض مع مرور الوقت للتخريب والتلف، ما أفقدها جزءاً من وظيفتها وأعاد طرح السؤال حول استدامة المشاريع بعد إنجازها.
ولهذا، فإن الرهان الحالي لا ينبغي أن يتوقف عند إعادة الإصلاح، بل يمتد إلى وضع آليات تضمن حماية هذه المرافق وصيانتها بشكل مستمر، حتى لا تعود بعد سنوات قليلة إلى الوضعية نفسها التي كانت عليها قبل التأهيل.
وتعكس هذه النقطة تحديداً التحول من منطق إنجاز المشروع إلى منطق تدبير دورة حياته كاملة؛ أي البناء والتجهيز، ثم الاستغلال والصيانة والحماية والتقييم.
شركة فاس الجهة للتهيئة.. من البرمجة إلى التنفيذ
وتبرز شركة فاس الجهة للتهيئة في هذه المرحلة باعتبارها أحد الأذرع التنفيذية التي تتحمل تنزيل عدد من المشاريع التي تعرفها فاس والجهة، خصوصاً في ظل الحاجة إلى تسريع الأوراش والانتقال بها من مرحلة الدراسات والبرمجة إلى الإنجاز الفعلي.
وقد ظهر هذا الدور في مشاريع متعددة، من بينها تأهيل القاعات الرياضية، حيث أعيد تأهيل قاعة 11 يناير بفاس في ظرف زمني قصير، بعد وقوف السلطات الولائية على وضعيتها، وهو ما قدم نموذجاً لطريقة الاشتغال التي تقوم على التشخيص الميداني ثم التعبئة والتنفيذ وتتبع الأشغال.
كما تتقاطع تدخلات الشركة مع أوراش أخرى تعرفها المدينة، ما يعكس توجهاً نحو تجميع وتنظيم تنفيذ المشاريع بدل بقائها موزعة بين تدخلات متفرقة، وهي مقاربة تزداد أهميتها مع اتساع حجم المشاريع المرتقبة بفاس.
استراتيجية تتجاوز إصلاح المرفق إلى إعادة بناء الثقة داخل الأحياء
ما يجري اليوم في عدد من الأحياء الشعبية بفاس لا يتعلق فقط بإصلاح ملعب أو إعادة تهيئة حديقة، بل يرتبط برهان أكبر يتمثل في إعادة بناء العلاقة بين المواطن والمرفق العمومي.
فعندما يجد الطفل ملعباً قريباً مجهزاً، وعندما تستعيد الأسرة حديقة آمنة ونظيفة، وعندما يجد الشباب فضاءً رياضياً قادراً على احتضان أنشطتهم، فإن أثر المشروع يتجاوز قيمته المادية إلى أبعاد اجتماعية مرتبطة بالاندماج والوقاية وتأطير الشباب وتحسين جودة الحياة.
ومن هذه الزاوية، تبدو الزيارات الميدانية التي يقوم بها والي الجهة إلى عدد من المواقع ذات دلالة خاصة، لأنها تضع المرافق التي يستعملها المواطن يومياً في صلب عملية التقييم، بدلاً من الاقتصار على المشاريع الكبرى ذات الواجهة العمرانية أو السياحية.
وتنسجم هذه المقاربة مع الدينامية الأوسع التي تشهدها فاس، والتي تشمل أوراشاً مهيكلة في الطرق والفضاءات العمومية والبنيات الرياضية ومحاور المدينة، مع اعتماد أكبر على التتبع الميداني وتسريع التنفيذ.
فاس الشعبية في قلب التحول الحضري
ويبدو أن الرهان الذي تضعه ولاية جهة فاس ـ مكناس في المرحلة المقبلة لا يقتصر على إعادة تأهيل واجهات المدينة ومحاورها الكبرى، بل يتجه أيضاً إلى إعادة ترتيب الأولويات داخل الأحياء، وخاصة المناطق الشعبية التي تحتاج إلى مرافق قرب قادرة على مواكبة حاجيات السكان.
وهذا التوجه يكتسي أهمية أكبر في مدينة واسعة ومتنوعة مجالاتياً مثل فاس، حيث لا يمكن قياس التحول الحضري فقط بحجم المشاريع الكبرى، وإنما كذلك بما يصل فعلياً إلى الأحياء من ملاعب وحدائق وفضاءات اجتماعية ومرافق عمومية.
وبين ملعب الشعبة الذي انتقل من فضاء ترابي إلى ورش لإعادة التأهيل، وحديقة “الريكس” التي تستعيد مكانتها كفضاء أخضر، وملاعب أخرى يجري تغيير عشبها الاصطناعي وتجهيزها من جديد، تتشكل ملامح سياسة تقوم على إعادة الروح إلى مرافق فقدت بريقها، وإعادتها إلى الشباب والأطفال الذين أنشئت من أجلهم.
والتحدي الأكبر في المرحلة المقبلة سيكون ضمان استمرارية هذه الدينامية، وربط التأهيل بالصيانة والحماية والحكامة، حتى لا تتحول الاستثمارات الجديدة إلى إصلاحات مؤقتة. أما إذا نجحت هذه المقاربة في الحفاظ على المرافق بعد افتتاحها، فإنها قد تشكل نموذجاً عملياً لتأهيل الأحياء الشعبية بفاس، وتحويل مرافق القرب من فضاءات متدهورة إلى نقاط حقيقية للحياة الاجتماعية والرياضية، ضمن مسار حضري أوسع تعيشه العاصمة العلمية.






