الجواهري يحسم الجدل حول الدعم المباشر: لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية.. والنمو وخلق فرص الشغل هما الحل المستدام

أثار والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، نقاشاً واسعاً بشأن مستقبل برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، بعدما أكد أن هذه الآلية يجب أن تظل إجراءً استثنائياً وظرفياً، ولا يمكن أن تتحول إلى سياسة عمومية دائمة تعتمد عليها الدولة بشكل مستمر، مشدداً على أن الرهان الحقيقي يكمن في تحقيق النمو الاقتصادي وخلق فرص الشغل وتحسين دخل الأسر بشكل مستدام.
وجاءت تصريحات الجواهري خلال الندوة الصحفية التي أعقبت الاجتماع الفصلي لمجلس بنك المغرب، حيث أوضح أن جميع الدول قد تلجأ إلى برامج الدعم المباشر في ظروف اقتصادية أو اجتماعية استثنائية، غير أن استمرارها إلى أجل غير محدد ليس خياراً قابلاً للاستدامة، معتبراً أن الدولة “لا يمكنها أن تواصل تقديم الدعم إلى أن تقوم الساعة”.
وأكد والي بنك المغرب أن معالجة الإشكالات الاجتماعية، وفي مقدمتها البطالة وارتفاع معدلات الهشاشة، لا يمكن أن تتحقق عبر الدعم المالي وحده، بل من خلال تحقيق معدلات نمو اقتصادي قوية ومتواصلة، وتشجيع الاستثمار المنتج، وإحداث فرص شغل كفيلة بتحسين القدرة الشرائية ورفع مستوى الدخل بشكل دائم. وأضاف أن القطاع الخاص مطالب بالقيام بدور أكبر في الاستثمار والإنتاج، باعتباره المحرك الرئيسي لخلق الثروة ومناصب الشغل.
وفي سياق الجدل الدائر حول الوعود الانتخابية المتعلقة بالرفع من قيمة الدعم المباشر، شدد الجواهري على أن تقييم مستقبل هذا الورش يبقى مرتبطاً بالبرنامج الاقتصادي والاجتماعي للحكومة المقبلة، قائلاً إن من السابق لأوانه إصدار أحكام قبل معرفة أولوياتها وتوجهاتها، سواء فيما يتعلق بالدعم المباشر أو بباقي الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية.
وتفتح هذه التصريحات باب النقاش حول مستقبل السياسة الاجتماعية بالمغرب، خاصة بعد الانتقال من نظام دعم الأسعار عبر صندوق المقاصة إلى نظام الدعم الاجتماعي المباشر الذي يستهدف الأسر المستحقة اعتماداً على السجل الاجتماعي الموحد، في إطار إصلاح يرمي إلى توجيه الموارد العمومية بشكل أكثر نجاعة وعدالة.
كما أشار والي بنك المغرب إلى أن إصلاح صندوق المقاصة لا يزال مطروحاً ضمن الأوراش الاقتصادية الكبرى، غير أن الظرفية الحالية، وفق تقديره، لا تسمح باستكمال هذا الإصلاح بالشكل المطلوب، نظراً لحساسية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، مؤكداً أن أي تغيير في هذا الملف ينبغي أن يتم بشكل تدريجي ومدروس يحافظ على التوازنات المالية ويحمي الفئات الأكثر هشاشة.
ويرى عدد من الخبراء الاقتصاديين أن تصريحات الجواهري تعكس توجهاً يدعو إلى الانتقال من منطق الدعم الاستهلاكي إلى منطق التنمية المنتجة، حيث يصبح الاستثمار وتحفيز المقاولة وخلق فرص الشغل الركائز الأساسية لتحسين مستوى عيش المواطنين، مع الإبقاء على الدعم الاجتماعي كآلية موجهة للتدخل في الظروف الاستثنائية وحماية الفئات الهشة عند الحاجة.
وتأتي هذه المواقف في وقت يواجه فيه الاقتصاد المغربي تحديات متعددة، من بينها تسريع وتيرة النمو، وتقليص البطالة، وتعزيز الاستثمار الخاص، وهي ملفات تعتبر حاسمة في تحقيق نموذج تنموي قادر على ضمان الاستدامة المالية وتحسين مؤشرات التنمية الاجتماعية، بما يوازن بين متطلبات الحماية الاجتماعية والحفاظ على استقرار المالية العمومية.






