سياسة

45 مليار سنتيم لانتخابات 2026.. هل أصبح تمويل الأحزاب أولوية أكبر من معالجة أزمات المغاربة؟

في وقت تتصاعد فيه مطالب المواطنين بتحسين الخدمات العمومية، وتتعالى الأصوات المطالبة بتعزيز الاستثمار في قطاعات الصحة والتعليم والماء والبنيات الأساسية، قررت الدولة رفع مساهمتها في تمويل الحملات الانتخابية الخاصة بانتخابات مجلس النواب لسنة 2026 إلى مستوى غير مسبوق بلغ 450 مليون درهم، أي ما يعادل 45 مليار سنتيم، في خطوة تفتح الباب أمام نقاش واسع حول أولويات الإنفاق العمومي وجدوى الدعم الموجه للأحزاب السياسية.

الأرقام الرسمية تكشف عن قفزة مالية كبيرة مقارنة بالانتخابات التشريعية لسنة 2021. فبعدما كانت مساهمة الدولة محددة في 160 مليون درهم فقط، ارتفع المبلغ هذه السنة إلى 450 مليون درهم، أي بزيادة بلغت 290 مليون درهم، تمثل نسبة ارتفاع تقارب 181 في المائة، وهو ما يجعل انتخابات 2026 الأغلى من حيث الدعم العمومي المخصص للحملات الانتخابية في تاريخ المملكة.

وبموجب القرار الصادر عن رئيس الحكومة والمنشور في الجريدة الرسمية، تم تخصيص 400 مليون درهم لفائدة الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات العامة لانتخاب أعضاء مجلس النواب، فيما تم رصد 50 مليون درهم إضافية لفائدة لوائح الترشيح المقدمة من مترشحات ومترشحين لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة، وذلك في إطار تشجيع مشاركة الشباب في الحياة السياسية وتعزيز حضورهم داخل المؤسسات المنتخبة.

ورغم أن القرار يستند إلى مقتضيات قانونية وتنظيمية واضحة، من بينها القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية والقانون التنظيمي الخاص بمجلس النواب، فضلاً عن المراسيم المؤطرة للدعم العمومي، فإن حجم الزيادة الاستثنائية يثير العديد من التساؤلات السياسية والاقتصادية، خصوصاً في ظل السياق الاجتماعي الذي يعيشه المغرب.

فالبلاد تواجه تحديات متزايدة مرتبطة بالإجهاد المائي وتداعيات سنوات الجفاف المتتالية، كما تشهد عدداً من المدن احتجاجات متكررة بسبب ضعف بعض الخدمات الأساسية واختلالات البنيات التحتية. وفي المقابل، تجد الأحزاب السياسية نفسها أمام دعم عمومي ارتفع بأكثر من الضعف مقارنة بالاستحقاقات السابقة.

وتطرح هذه المعطيات سؤالاً محورياً حول مدى قدرة هذا التمويل الضخم على تحقيق الهدف الأساسي منه، والمتمثل في تطوير الممارسة السياسية وتعزيز المشاركة الانتخابية. فالتجارب السابقة أظهرت أن ارتفاع حجم الإنفاق الانتخابي لا ينعكس بالضرورة على نسبة المشاركة أو على جودة الأداء الحزبي، خاصة في ظل استمرار أزمة الثقة التي تطبع العلاقة بين جزء من المواطنين والفاعلين السياسيين.

كما أن جزءاً من الرأي العام يرى أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في حجم الأموال المرصودة، بقدر ما يرتبط بكيفية صرفها ومراقبة أوجه استعمالها. فالمجلس الأعلى للحسابات سبق له في تقارير متعددة أن سجل ملاحظات تتعلق بتدبير الدعم العمومي الموجه للأحزاب السياسية، ودعا إلى مزيد من الشفافية والحكامة في صرف الأموال العمومية المخصصة للعمل السياسي.

ومن جهة أخرى، يرى مدافعون عن القرار أن الديمقراطية لها كلفة، وأن تمويل الدولة للحملات الانتخابية يهدف أساساً إلى الحد من تأثير المال الخاص ومنع هيمنة أصحاب الثروات على العملية الانتخابية، إضافة إلى توفير حد أدنى من تكافؤ الفرص بين مختلف الأحزاب السياسية، خاصة تلك التي لا تتوفر على إمكانيات مالية كبيرة.

غير أن هذا الطرح لا يمنع من التساؤل حول أسباب الزيادة الكبيرة المسجلة بين استحقاقي 2021 و2026. فالفارق البالغ 290 مليون درهم لا يمكن اعتباره مجرد تحيين عادي للنفقات أو انعكاس للتضخم، بل يعكس توجهاً جديداً نحو رفع سقف الإنفاق العمومي على الحملات الانتخابية بشكل غير مسبوق.

وتزداد أهمية هذا النقاش إذا ما تم استحضار أن 45 مليار سنتيم تمثل ميزانيات كفيلة بتمويل مشاريع تنموية واجتماعية عديدة على المستوى المحلي، من قبيل تأهيل المؤسسات التعليمية والمراكز الصحية، أو دعم مشاريع التزود بالماء الصالح للشرب في المناطق المتضررة من الإجهاد المائي، أو إنجاز مرافق رياضية وثقافية لفائدة الشباب.

وبين من يعتبر هذه الاعتمادات استثماراً في المسار الديمقراطي، ومن يرى فيها رقماً ضخماً يطرح تساؤلات حول سلم الأولويات، يبقى المؤكد أن انتخابات 2026 ستدخل التاريخ باعتبارها الاستحقاق التشريعي الذي شهد أكبر مساهمة مالية مباشرة من الدولة لفائدة الحملات الانتخابية.

وفي انتظار انطلاق الحملة الانتخابية، ستظل الأنظار متجهة نحو كيفية صرف هذه الأموال، ومدى احترام قواعد الشفافية والمراقبة، والأهم من ذلك كله: هل ستنجح 45 مليار سنتيم في إعادة الثقة إلى العمل السياسي وإقناع الناخبين بالمشاركة المكثفة في صناديق الاقتراع، أم أن أزمة الثقة أعمق من أن تعالجها الأرقام والاعتمادات المالية مهما ارتفعت قيمتها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى