مجتمع

العطش يضرب فاس ومكناس.. من يحاسب المكتب الوطني للماء الصالح للشرب عن أكبر أزمة مياه عرفتها الجهة؟

لم تعد أزمة الماء التي تعيشها مدينتا فاس ومكناس مجرد عطب تقني عابر أو انقطاع ظرفي لخدمة عمومية، بل تحولت خلال الساعات الأخيرة إلى أزمة اجتماعية وإنسانية حقيقية كشفت هشاشة البنية التحتية المائية، وطرحت أسئلة محرجة حول تدبير قطاع حيوي يرتبط مباشرة بحياة ملايين المواطنين وكرامتهم اليومية.

لليوم الثاني على التوالي، استيقظت آلاف الأسر بمدينة فاس على واقع صادم. صنابير المياه مفتوحة، لكن لا أثر للماء. مشهد غير مسبوق في عاصمة علمية وتاريخية بحجم فاس، المدينة التي لم تعهد مثل هذا الانقطاع الكلي للماء الصالح للشرب على هذا النطاق الواسع ولفترة تجاوزت 72 ساعة في عز فصل الصيف ووسط موجة حرارة مرتفعة.

الواقع الذي عاشته الأسر الفاسية و المكناسية خلال اليومين الماضيين كان قاسيا بكل المقاييس. مواطنون لم يجدوا قطرة ماء لإطفاء العطش، أسر اضطرت إلى تقنين استهلاك ما تبقى لديها من مخزون، مواطنون تنقلوا بين الأحياء بحثا عن الآبار والنقط المائية، فيما وجد كبار السن والمرضى أنفسهم في وضع بالغ الصعوبة. حتى طقوس غسل الموتى وفق الشريعة الإسلامية تأثرت بالأزمة، في مشهد لم يكن أحد يتوقع أن تشهده مدينة بحجم فاس في سنة 2026.

الأزمة لم تكن تقنية فقط، بل تحولت إلى ضغط نفسي واجتماعي كبير. فالماء ليس مجرد خدمة عمومية، بل هو أساس الحياة والاستقرار والأمن الاجتماعي. وعندما يغيب الماء عن مدينة تضم مئات الآلاف من الأسر، فإن كل مظاهر الحياة اليومية تصبح مهددة بالشلل.

وفي خضم هذا الوضع الاستثنائي، من الضروري وضع الأمور في نصابها وتحميل المسؤولية للجهة التي تتحملها فعلا، بعيدا عن أي مزايدات أو محاولات لتوزيع المسؤوليات بشكل غير منصف.

الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس مكناس وجدت نفسها في قلب العاصفة، لكنها في الواقع كانت الحلقة الأخيرة في سلسلة التوزيع. فهذه المؤسسة لا تنتج الماء ولا تنقله من السدود، بل تتولى توزيع المياه التي تصلها عبر الشبكات والخزانات. وعندما تتوقف الإمدادات القادمة من المصدر الرئيسي، تصبح قدراتها محدودة للغاية مهما كانت التدابير التي تتخذها.

المعطيات المتوفرة تؤكد أن الشركة الجهوية حاولت، خلال الأيام السابقة، تدبير الوضع عبر توزيع الموارد المائية المتوفرة بشكل متوازن بين الأحياء، والاعتماد على المخزون الاحتياطي الموجود بالخزانات، غير أن استمرار توقف تدفق المياه القادمة من سد إدريس الأول أدى إلى استنزاف الاحتياطات بشكل كامل، لتصبح المدينة أمام واقع العطش.

المسؤولية التقنية المباشرة تبقى مرتبطة بالقناة الرئيسية التي يشرف عليها المكتب الوطني للماء الصالح للشرب، باعتباره الجهة المكلفة بإنتاج المياه ونقلها إلى مراكز التوزيع. وهو القطاع الذي كان مطالبا بالتدخل السريع والحاسم منذ ظهور أولى مؤشرات الخلل، خاصة أن المشكل لم يولد خلال الساعات الأخيرة، بل بدأت إرهاصاته منذ فترة عيد الأضحى الماضي، أي منذ حوالي شهر كامل.

خلال هذه الفترة، كان واضحا أن القناة تعرف اختلالات متكررة وأن عمليات الإصلاح والترقيع أصبحت تتكرر بشكل يثير الكثير من علامات الاستفهام. لكن بدل معالجة جذرية للمشكل، بدا أن الحلول الترقيعية ظلت الخيار السائد، إلى أن وقع الكسر الكبير الذي أدى إلى توقف التزويد بشكل شبه كامل.

وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: كيف وصلت الأمور إلى هذه المرحلة؟ وكيف لقناة استراتيجية تزود مدينتين يفوق عدد سكانهما ثلاثة ملايين نسمة أن تصبح بهذا المستوى من الهشاشة؟

الأكثر إثارة للقلق هو الحديث المتزايد عن كون أجزاء من هذه القنوات مصنوعة من مواد إسمنتية قديمة تعرضت للتآكل والتهالك بفعل الزمن. وإذا ثبتت هذه المعطيات، فإن الأمر يتجاوز مجرد عطب تقني ليصبح ملفا يستوجب فتح تحقيق إداري وتقني شامل.

من حق الرأي العام أن يعرف تفاصيل الصفقات التي أنجزت في السابق لربط سد إدريس الأول بمنشآت التوزيع والخزانات. ومن حق المواطنين أن يتساءلوا عن جودة المواد التي استعملت، وعن مدى احترام دفاتر التحملات والمعايير التقنية، وعن الجهات التي أشرفت على إنجاز هذه المشاريع الاستراتيجية.

كما أن التأخر المسجل في إصلاح العطب الأخير يطرح بدوره أسئلة مشروعة. فالمكتب الوطني أعلن في أكثر من مناسبة أن الأشغال متواصلة وأن الوضع تحت السيطرة، غير أن الساكنة كانت تنتظر النتائج على أرض الواقع وليس البلاغات فقط. وبين الوعود المتكررة بعودة التزويد والانقطاع المستمر، ازدادت حالة الاحتقان والتذمر وسط المواطنين.

السؤال الذي يفرض نفسه كذلك هو: لماذا لم يتم منذ البداية اللجوء إلى حلول أكثر نجاعة وديمومة؟ ولماذا لم يتم استبدال المقاطع المتضررة من بداية العطب بقنوات فولاذية حديثة قادرة على تحمل الضغط والتقلبات التقنية؟ وهل تم تقييم المخاطر المرتبطة باستمرار الاعتماد على بنية تحتية مهترئة في منشأة حيوية بهذا الحجم؟

إن ما وقع خلال الأيام الأخيرة يجب أن يكون نقطة تحول حقيقية في طريقة تدبير الأمن المائي بالجهة. فالأمن المائي لم يعد ترفا أو ملفا تقنيا محضا، بل أصبح جزءا من الأمن الاجتماعي والاستقرار العام. وعندما تضطر النساء والأطفال إلى الخروج بحثا عن الماء، وعندما تتوقف الحياة الطبيعية داخل آلاف المنازل بسبب انقطاع هذه المادة الحيوية، فإن الأمر يتجاوز حدود الأعطاب العادية.

كما أن هذه الأزمة تأتي في وقت يرفع فيه المغرب سقف طموحاته التنظيمية والاقتصادية، ويستعد لاستحقاقات دولية كبرى في مقدمتها كأس العالم 2030. وهي مناسبة تفرض مراجعة جذرية للبنيات التحتية الحيوية، وفي مقدمتها شبكات الماء والكهرباء والتطهير والنقل.

ما تحتاجه فاس ومكناس اليوم ليس فقط إصلاح عطب طارئ وإعادة ضخ المياه إلى الصنابير، بل فتح تحقيق شامل وشفاف يحدد المسؤوليات ويكشف أسباب التأخر وأوجه القصور. كما تحتاجان إلى برنامج استعجالي لتحديث الشبكات المائية وتعويض القنوات المتهالكة وضمان عدم تكرار هذا السيناريو مستقبلا.

فالساكنة التي صبرت على الانقطاعات المتكررة خلال الأسابيع الماضية لم تعد تبحث عن التبريرات، بل عن ضمانات حقيقية بألا يتكرر مشهد العطش مرة أخرى. والمواطن الذي يؤدي فواتيره بانتظام من حقه أن يحصل على خدمة مستقرة وآمنة، ومن حقه أيضا أن يعرف من تسبب في هذه الأزمة ومن سيحاسب عليها.

إن الماء ليس امتيازا تمنحه الإدارة للمواطنين، بل حق أساسي من حقوقهم الدستورية. وأي إخلال بهذا الحق يستوجب المساءلة والمحاسبة، حتى تستعيد المؤسسات ثقة المواطنين، وحتى لا تتحول أزمة الأيام الماضية إلى نموذج يتكرر مستقبلا في مدن أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى