اقتصاد

بعد أشهر من الارتباك.. وزارة الانتقال الطاقي تتراجع عن تصورها الأول لصفقات الاستغلال المنجمي

يبدو أن وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة وجدت نفسها مضطرة إلى مراجعة أحد أكثر الملفات إثارة للجدل داخل القطاع المنجمي، بعدما كشفت معطيات رسمية عن إعادة النظر بشكل شامل في الإعلان العمومي المتعلق بمنح مئات الأجزاء المنجمية، في خطوة تعكس حجم الانتقادات والاعتراضات التي واجهت المقاربة الأولى التي اعتمدتها الوزارة.

فبعد أشهر من إطلاق مشروع أثار موجة واسعة من الاحتجاجات والتخوفات في أوساط المنجميين التقليديين والمهنيين والفاعلين الاقتصاديين، عادت الوزارة اليوم لتقر، بشكل غير مباشر، بوجود اختلالات ونواقص في التصور الأول، من خلال فتح الباب أمام مراجعة شاملة للعرض وإعادة صياغة شروطه ومساحاته استجابة للملاحظات التي تم التعبير عنها خلال سلسلة من اللقاءات التشاورية.

ويطرح هذا التراجع العديد من علامات الاستفهام حول الكيفية التي تم بها إعداد النسخة الأولى من المشروع، خصوصاً أن الوزارة كانت قد قدمته في البداية باعتباره تصوراً جاهزاً وقادراً على إعادة تنظيم النشاط المنجمي وتحقيق التنمية الاقتصادية بالمنطقة. غير أن حجم الاعتراضات التي صدرت عن المهنيين والمنجميين التقليديين كشف أن الملف لم يحظ بالدراسة الكافية قبل الإعلان عنه، وأن عدداً من المعطيات الميدانية والاجتماعية والاقتصادية لم تؤخذ بعين الاعتبار بالشكل المطلوب.

ويرى متابعون للشأن المنجمي أن الأزمة لم تكن مرتبطة فقط بمساحات الاستغلال أو بعدد الرخص المعروضة، بل تعلقت أساساً بطريقة تدبير الملف من طرف الوزارة، التي وجدت نفسها أمام انتقادات بسبب ضعف التواصل مع المهنيين وعدم إشراك مختلف الفاعلين منذ المراحل الأولى لإعداد المشروع، الأمر الذي ساهم في تعميق حالة الاحتقان وفقدان الثقة بين الإدارة والفاعلين الميدانيين.

ويؤكد مهنيون أن المنجم التقليدي لا يمثل مجرد نشاط اقتصادي محدود، بل يشكل مصدر عيش لآلاف الأسر ويؤمن فرص شغل مباشرة وغير مباشرة في مناطق تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية واجتماعية. لذلك فإن أي قرار يمس هذا القطاع يحتاج إلى مقاربة تشاركية حقيقية تأخذ بعين الاعتبار التوازن بين متطلبات الاستثمار وحماية الحقوق التاريخية للمنجميين التقليديين.

كما أن العودة إلى تعديل المشروع بعد أشهر من الجدل تثير تساؤلات حول نجاعة الحكامة داخل الوزارة ومدى قدرة المصالح المركزية على استباق الأزمات قبل تفجرها. فلو تم اعتماد الحوار المسبق والاستماع إلى الفاعلين منذ البداية، لكان بالإمكان تفادي أشهر من التوتر والاحتجاجات والجدل الذي رافق هذا الملف.

ويذهب عدد من المتابعين إلى اعتبار أن ما وقع يكشف خللاً أعمق في طريقة تدبير بعض الأوراش الاستراتيجية، حيث يتم الإعلان عن مشاريع وقرارات كبرى قبل استكمال المشاورات التقنية والمهنية اللازمة، ليتم بعد ذلك اللجوء إلى التعديل والتراجع تحت ضغط الواقع والاحتجاجات. وهي منهجية تطرح، بحسبهم، إشكالاً حقيقياً يتعلق بفعالية التخطيط وجودة صناعة القرار العمومي.

ومن المفارقات أن الوزارة تؤكد اليوم أن التصور الجديد يتجه نحو توسيع المساحات المتاحة للاستغلال وتسهيل الولوج إلى الرخص وتمكين عدد أكبر من المستفيدين، وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً: إذا كانت هذه الإمكانيات متاحة منذ البداية، فلماذا لم يتم اعتمادها في النسخة الأولى؟ ولماذا احتاج الأمر إلى أشهر من الجدل واللقاءات والاحتجاجات حتى يتم تصحيح المسار؟

كما يخشى فاعلون في القطاع من أن يؤدي استمرار حالة عدم الوضوح إلى التأثير على جاذبية الاستثمار المنجمي، خصوصاً أن المستثمرين يبحثون عن الاستقرار التشريعي والإداري وعن وضوح الرؤية قبل ضخ استثماراتهم. فالتعديلات المتكررة وإعادة صياغة المشاريع بعد إطلاقها ترسل إشارات سلبية حول استقرار القرارات ونجاعة التدبير.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه الوزارة أنها أخذت بعين الاعتبار مختلف المقترحات القابلة للتنفيذ من الناحيتين القانونية والتقنية، يظل الرهان الحقيقي هو ضمان تنزيل شفاف وعادل لهذا الورش، بعيداً عن أي مقاربة قد تؤدي إلى إقصاء الفاعلين التقليديين أو تكريس منطق الامتيازات لفائدة فاعلين محددين.

إن ما جرى في هذا الملف يكشف أن الأزمة لم تكن أزمة مساحات أو رخص فقط، بل أزمة منهجية في اتخاذ القرار والتواصل مع المعنيين بالأمر. واليوم، وبعد التراجع عن جزء مهم من التصور الأول، تبدو وزارة الانتقال الطاقي مطالبة أكثر من أي وقت مضى باستخلاص الدروس من هذه التجربة، والعمل على بناء علاقة جديدة قائمة على التشاور والإنصات والوضوح، خاصة في قطاع استراتيجي يشكل رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

فإذا كان تعديل المشروع يمثل خطوة إيجابية لتصحيح الاختلالات، فإنه في المقابل يطرح تساؤلات مشروعة حول المسؤولية السياسية والإدارية عن القرارات التي أدت إلى هذا الاحتقان منذ البداية، وحول الكلفة الزمنية والاقتصادية التي تحملها المهنيون والقطاع بسبب قرارات لم تصمد طويلاً أمام اختبار الواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى