قضايا

أكثر من 6 أطنان من الشيرا بكتامة.. هل يكشف التهريب فشل ورش تقنين القنب الهندي؟ ومتى تتم محاسبة المسؤول عن الوكالة؟

من التقنين إلى استمرار التهريب.. حين تكشف شحنة واحدة حجم الأزمة

لم تعد قضية القنب الهندي في مناطق الريف مجرد ملف فلاحي أو ورش إداري مرتبط بإصدار الرخص وتنظيم التعاونيات، بل أصبحت اليوم اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الدولة على تحويل نشاط ظل لعقود خارج القانون إلى قطاع اقتصادي منظم، يوفر للمزارعين بديلاً حقيقياً عن اقتصاد الظل، ويجذب المستثمرين، ويخلق فرصاً جديدة للتنمية، ويقطع الطريق أمام شبكات تهريب المخدرات. ولذلك فإن العملية النوعية التي نفذتها عناصر المركز الترابي للدرك الملكي بكتامة، والتي أسفرت عن إحباط محاولة لتهريب أكثر من ستة أطنان من مخدر الشيرا، إلى جانب كمية من المخدرات الصلبة وثلاثة قوارب مطاطية مجهزة بمحركات، لا ينبغي أن تمر باعتبارها مجرد واقعة أمنية عابرة، لأنها تعيد إلى الواجهة السؤال الأكثر إلحاحاً منذ دخول ورش التقنين حيز التنفيذ: إذا كان القنب الهندي قد أصبح مؤطراً قانونياً، فلماذا ما زالت شبكات التهريب قادرة على تحريك كميات ضخمة من المخدرات انطلاقاً من مناطق ظلت تاريخياً مرتبطة بزراعة القنب؟

الدرك ينجح أمنياً.. لكن الوكالة مطالبة بالإجابة إدارياً

العملية الأمنية الأخيرة تؤكد مرة أخرى أن الأجهزة الأمنية المغربية تواصل أداء دورها في مواجهة شبكات الاتجار الدولي في المخدرات، وأن المسالك التي تربط مناطق الريف بالمدن الداخلية ليست خارج المراقبة، كما أن حجم المحجوزات يبرز خطورة الشبكات التي لا تزال تشتغل في السوق غير المشروعة وقدرتها على نقل شحنات كبيرة باستعمال وسائل لوجستية متطورة، وهو ما يستدعي مواصلة التحقيق للوصول إلى مصدر الشحنة والجهة التي كانت ستستقبلها وباقي المتورطين المحتملين. لكن النجاح الأمني لا ينبغي أن يحجب السؤال الإداري والاقتصادي، لأن الدولة عندما اختارت تقنين القنب الهندي لم يكن هدفها فقط منح الرخص للمزارعين، وإنما كان طموحها أكبر بكثير، ويتمثل في بناء منظومة قانونية متكاملة تجعل النشاط المشروع أكثر جاذبية من النشاط غير المشروع، وتمنح الفلاح دخلاً مستقراً، وتوفر للمستثمرين بيئة واضحة، وتضع حداً تدريجياً لهيمنة الوسطاء وشبكات السوق السوداء.

الكروج.. المسؤول الأول عن تنزيل الورش أمام اختبار صعب

منذ إحداث الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي، أصبح مديرها العام محمد الكروج في صلب المسؤولية عن تنزيل هذا الورش، ولذلك فإن أي تقييم جدي لحصيلته لا يمكن أن يقتصر على عدد الرخص التي تم منحها أو المساحات التي أصبحت قانونية أو حجم الإنتاج المصرح به، وإنما يجب أن ينظر إلى السؤال الأهم: هل تغيرت حياة المزارع فعلاً؟ وهل أصبح المنتج القانوني يجد طريقه بسهولة إلى السوق؟ وهل أصبحت التعاونيات قادرة على استيعاب الفلاحين وتوفير أسعار عادلة لهم؟ وهل أصبح المستثمر مطمئناً إلى مستقبل هذه الصناعة؟ والأهم من ذلك كله، هل تراجعت فعلاً قدرة السوق السوداء على استقطاب المزارعين والمنتوج؟ إن هذه الأسئلة أصبحت اليوم أكثر إلحاحاً، لأن نجاح أي مؤسسة عمومية لا يقاس فقط بما تنتجه من وثائق وتقارير، وإنما بقدرتها على تغيير الواقع الذي أنشئت من أجله.

أرقام التقنين في ارتفاع.. لكن التهريب لم ينته

صحيح أن المعطيات الرسمية تشير إلى تطور ملحوظ في حجم النشاط القانوني، وأن عدد الرخص ارتفع وأن الإنتاج المصرح به سجل بدوره نمواً، وهي مؤشرات يمكن تقديمها باعتبارها جزءاً من الحصيلة الإيجابية للورش، لكن هذه الأرقام لا يمكن أن تكون وحدها معياراً للحكم على نجاح التجربة. فالمواطن في مناطق الإنتاج لا يعيش داخل جداول الإحصائيات، والمزارع يريد أن يعرف كم سيجني من محصوله، ومن سيشتريه، ومتى سيحصل على مستحقاته، وما الذي سيضمن له الاستمرار في المسار القانوني. فإذا بقيت السوق غير المشروعة قادرة على تقديم أسعار أفضل أو معاملات أسرع أو شروط أقل تعقيداً، فإنها ستظل قادرة على جذب جزء من المنتجين مهما توسعت المنظومة القانونية. ولهذا فإن عملية حجز أكثر من ستة أطنان من الشيرا يجب أن تدفع إلى طرح سؤال صريح حول مدى نجاح التقنين في تجفيف منابع النشاط غير القانوني، دون أن يعني ذلك تلقائياً أن الشحنة المحجوزة مصدرها الإنتاج القانوني، وهي نقطة يجب أن تفصل فيها التحقيقات القضائية.

السوق السوداء.. الحلقة التي يجب فتحها على الرقابة

المشكلة الأكثر حساسية في هذا الملف هي احتمال استمرار وجود اقتصاد موازٍ إلى جانب الاقتصاد القانوني، وهو ما يجعل مراقبة سلسلة الإنتاج والتجميع والتحويل ضرورة لا تحتمل التأجيل. فالتعاونيات التي أصبحت جزءاً من منظومة التقنين مطالبة بأن تكون جسراً بين المزارع والسوق القانونية، لا مجرد محطة إدارية لجمع المحصول، ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تشديد التتبع والمراقبة على مسار المنتوج منذ لحظة خروجه من الحقل إلى حين وصوله إلى وحدات التحويل والتصنيع. ومن الضروري أيضاً إخضاع منظومة التجميع لافتحاصات منتظمة وشفافة، والتأكد من احترام شروط الشراء والتخزين والنقل والتصريح بالكميات، لأن أي ثغرة في هذه السلسلة يمكن أن تستغلها شبكات السوق السوداء. ولا يعني ذلك اتهام التعاونيات بالتورط في التهريب، وإنما يعني أن حجم الأموال التي تدور حول القنب الهندي يجعل الرقابة الصارمة ضرورة لحماية التعاونيات نفسها والمزارعين والورش بأكمله.

المزارع بين القانون والمهرب.. هنا توجد المعركة الحقيقية

لن ينجح تقنين القنب الهندي إذا بقي المزارع ينظر إلى السوق السوداء باعتبارها الطريق الأسرع والأكثر ضماناً لتصريف محصوله. فالفلاح الذي عاش سنوات طويلة داخل منظومة غير مهيكلة يحتاج اليوم إلى أن يرى بوضوح الفرق بين المسارين، وأن يجد في القانون حماية اقتصادية حقيقية، وأسعاراً عادلة، ومواكبة تقنية، وتمويلاً، وتأطيراً، وأسواقاً قادرة على استيعاب إنتاجه. أما الاكتفاء بمنحه رخصة ثم تركه يواجه وحده تعقيدات السوق، فسيجعل عملية الانتقال من الاقتصاد غير القانوني إلى الاقتصاد المنظم ناقصة. وهنا تحديداً يجب أن تتحمل الوكالة مسؤوليتها كاملة، لأن دورها لا ينبغي أن ينتهي عند الترخيص والمراقبة، بل يجب أن يمتد إلى بناء منظومة اقتصادية تجعل الفلاح شريكاً في المشروع الوطني وليس مجرد منتج تتم مراقبته.

المستثمر ينتظر وضوحاً أكثر وسرعة أكبر

الجانب الآخر من المعادلة يتعلق بالمستثمرين الذين يفترض أن يشكلوا المحرك الأساسي للمرحلة الجديدة، لأن التقنين لن يتحول إلى صناعة حقيقية بمجرد تنظيم الزراعة، وإنما يحتاج إلى مصانع للتحويل، ومختبرات للبحث والتطوير، ومنتجات طبية وصيدلانية وصناعية، وسلاسل توزيع وأسواق داخلية وخارجية. والمغرب يتوفر على مؤهلات كبيرة يمكن أن تجعله لاعباً مهماً في هذا المجال، لكن المستثمر يحتاج إلى مساطر واضحة وسريعة، وإلى رؤية طويلة المدى، وإلى مخاطب مؤسساتي قادر على حل المشاكل بدل الاكتفاء بشرح القوانين. ولذلك فإن أي قيادة جديدة للوكالة ينبغي أن تكون أكثر انفتاحاً على المستثمرين وأكثر حضوراً في الميدان وأكثر قدرة على تحويل النصوص التنظيمية إلى مشاريع اقتصادية حقيقية.

هل أصبح تغيير قيادة الوكالة ضرورة؟

بعد مرور سنوات على إطلاق ورش التقنين، أصبح من المشروع سياسياً ومؤسساتياً طرح سؤال المسؤولية والمحاسبة، ليس فقط حول النتائج الإيجابية المسجلة، وإنما أيضاً حول مكامن التعثر والاختلالات التي ما زالت قائمة. ومن هنا تصاعدت مطالب بإنهاء مهام محمد الكروج على رأس الوكالة وإفساح المجال أمام قيادة جديدة قادرة على إعطاء دفعة قوية للورش، وهي مطالب ينبغي أن تخضع في النهاية لتقييم مؤسساتي موضوعي لحصيلة الوكالة ومدى تحقيقها للأهداف التي أنشئت من أجلها. فالمسؤول العمومي ليس فوق التقييم، وأي مشروع وطني استراتيجي يحتاج في مراحل معينة إلى ضخ دماء جديدة وإلى إعادة النظر في أساليب التدبير إذا تبين أن النتائج على الأرض لا تسير بالسرعة المطلوبة.

المغرب يحتاج إلى مدير وكالة من طراز مختلف

المرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى مسؤول إداري يجيد تدبير الملفات، وإنما إلى شخصية قادرة على النزول إلى الميدان والجلوس مع المزارعين والاستماع إلى مشاكلهم الحقيقية، والتواصل مع التعاونيات، وفتح قنوات فعالة مع المستثمرين، والتنسيق مع القطاعات الحكومية والأمنية، والبحث عن حلول عملية لمشاكل التسويق والإنتاج والتحويل. المطلوب هو مدير يستطيع بناء الثقة في منطقة عاشت طويلاً مع اقتصاد الظل، ويقنع الفلاح بأن مستقبله مع الدولة أفضل من مستقبله مع المهرب، ويقنع المستثمر بأن الاستثمار في القنب القانوني بالمغرب ليس مغامرة قصيرة المدى، وإنما قطاع اقتصادي يمكن أن يتحول إلى صناعة وطنية ذات قيمة مضافة عالية.

التقنين لا يجب أن يتحول إلى مجرد تراخيص وأرقام

التحدي اليوم هو الانتقال من مرحلة تثبيت الإطار القانوني إلى مرحلة تحقيق النتائج الاقتصادية والاجتماعية، لأن الغاية من التقنين ليست فقط إحصاء المزارعين وإصدار الرخص، وإنما تحويل نشاط تاريخي غير منظم إلى اقتصاد منتج ومراقب يساهم في خلق الثروة وفرص الشغل وتحسين دخل الأسر في مناطق الإنتاج. وإذا ظل التهريب قائماً، وظلت السوق السوداء قادرة على استقطاب المنتجين، وظلت مسالك التصريف غير القانوني موجودة، فإن الورش سيحتاج إلى مراجعة عميقة في طريقة تنزيله، حتى وإن كانت بعض مؤشراته الإحصائية إيجابية.

العملية الأخيرة رسالة إلى المسؤولين قبل أن تكون خبراً أمنياً

حجز أكثر من ستة أطنان من الشيرا في عملية واحدة بكتامة يجب أن يكون مناسبة لإعادة تقييم المسار برمته، لأن الأجهزة الأمنية تقوم بواجبها عندما تضبط هذه الشحنات، لكن المواجهة الحقيقية مع التهريب لا يمكن أن تكون أمنية فقط. لا بد من اقتصاد قانوني قوي يسحب البساط من تحت أقدام المهربين، ومن مزارع يشعر أن القانون يحميه، ومن تعاونيات شفافة، ومن مستثمرين يجدون البيئة المناسبة، ومن وكالة قادرة على المراقبة والتأطير والتدخل السريع عند ظهور الاختلالات.

لقد اختارت الدولة طريق التقنين في محاولة لإنهاء مرحلة طويلة من الاقتصاد غير القانوني، ولا ينبغي أن يسمح لأي اختلال إداري أو ضعف في التواصل أو تعقيد في المساطر بأن يعيد إنتاج السوق السوداء بأشكال جديدة. لذلك فإن إعادة تقييم أداء الوكالة، ومساءلة المسؤولين عن تنزيل الورش، وفتح الباب أمام قيادة جديدة إذا ثبت أن المرحلة تحتاج إليها، كلها خطوات يمكن أن تعطي لهذا المشروع نفساً جديداً.

 إما أن ينتصر الاقتصاد القانوني أو يستعيد المهربون مواقعهم

المعركة الحقيقية في مناطق القنب الهندي ليست بين الدولة والمزارع، وإنما بين اقتصاد قانوني تريد الدولة بناءه واقتصاد غير مشروع تحاول شبكات التهريب الحفاظ عليه. وكلما نجحت الدولة في جعل الزراعة القانونية مربحة وآمنة ومنظمة، تراجعت قدرة المهربين على استقطاب المزارعين، وكلما بقيت الثغرات الاقتصادية والإدارية قائمة، ظل السوق الأسود يجد لنفسه منفذاً.

ولهذا فإن عملية كتامة الأخيرة يجب ألا تنتهي عند محضر حجز وشحنة مخدرات وموقوفين، بل يجب أن تصل رسالتها إلى مكتب المسؤولين عن ورش التقنين: هناك حاجة إلى مراجعة حقيقية، وإلى رقابة أكثر صرامة، وإلى تواصل أقوى مع المزارعين، وإلى تسريع الاستثمار، وإلى إغلاق منافذ السوق السوداء، وإلى محاسبة كل من ثبت تقصيره.

أما إذا خلص التقييم المؤسساتي إلى أن المرحلة تحتاج إلى تغيير القيادة، فإن إنهاء مهام محمد الكروج وتعيين بروفايل جديد أكثر حضوراً في الميدان وأكثر قدرة على التواصل والتدبير والاستثمار لن يكون تراجعاً عن ورش التقنين، بل يمكن أن يكون خطوة لإنقاذه وتقويته.

فالمطلوب اليوم ليس المزيد من البيانات، وإنما نتائج يلمسها المزارع، ويثق بها المستثمر، وتنعكس على الأرض في تراجع السوق السوداء والتهريب. وهذا هو المعيار الحقيقي الذي يجب أن يُحاسب عليه كل مسؤول عن هذا الورش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى