سياسة

تقرير: المغرب في قلب معادلة إقليمية جديدة.. كيف تقاطعت مصالح الرباط والرياض وواشنطن؟

دخلت منطقة الشرق الأوسط، خلال شتنبر 2026، مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التحالفات والتفاهمات، بعدما تزامن إعلان المغرب وإسرائيل الانتقال إلى مستوى التمثيل الدبلوماسي الكامل مع إعلان واشنطن موافقتها على مسار صفقة عسكرية ضخمة للسعودية تشمل 48 مقاتلة من طراز إف-35، في تطور فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول طبيعة التفاهمات التي سبقت الإعلانين، وما إذا كان المغرب قد لعب دوراً في هندسة جزء من هذه الترتيبات.

المعطى الثابت هو أن الرباط وتل أبيب أعلنتا، في 16 شتنبر الجاري، الانتقال بالعلاقات إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء، في اجتماع جمع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، بحضور السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز. وبعد أقل من 24 ساعة، أعلنت الولايات المتحدة موافقتها على صفقة محتملة لبيع السعودية 48 طائرة إف-35 و49 محركاً، بقيمة تصل إلى 24.3 مليار دولار، مع بقاء الصفقة خاضعة للمسار الأميركي المرتبط بالكونغرس.

ورغم عدم وجود إعلان رسمي يربط بين التطورين، فإن معطيات منسوبة إلى مصادر غربية، وفق التقرير الأصلي، تتحدث عن مسار تفاوضي أكثر تعقيداً تشابكت فيه اعتبارات سعودية وأميركية وإسرائيلية ومغربية، إلى جانب ملفات الصحراء وغزة والتعاون العسكري ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.

إف-35.. صفقة تتجاوز الحسابات العسكرية

لا تبدو الصفقة السعودية مجرد عملية لاقتناء طائرات متطورة، بالنظر إلى الحساسية التي تحيط بطائرات إف-35 داخل الشرق الأوسط. فإسرائيل هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تشغل هذا النوع من الطائرات، فيما تراعي الولايات المتحدة عند إبرام صفقات السلاح مع دول المنطقة مبدأ الحفاظ على التفوق العسكري النوعي الإسرائيلي.

ولهذا السبب، فإن فتح الطريق أمام حصول الرياض على هذه الطائرات يرتبط بحسابات سياسية وأمنية تتجاوز الجانب التقني، خصوصاً أن السعودية كانت قد تقدمت بطلب للحصول على الطائرة منذ بداية 2025، بحسب المعطيات الواردة في التقرير، قبل أن تتغير البيئة الأمنية الإقليمية بشكل كبير.

ومع تصاعد التوترات الأمنية في المنطقة واستهداف منشآت ومسارات مرتبطة بالطاقة، عاد موضوع بناء قدرات ردع سعودية أكثر تطوراً إلى الواجهة، وفق الرواية التي نقلها التقرير عن مصادر متعددة. وأصبحت إف-35، في هذا السياق، جزءاً من نقاش أوسع حول مستقبل الأمن السعودي والعلاقة الدفاعية بين الرياض وواشنطن.

إسرائيل والعقبة المرتبطة بالتفوق العسكري

أحد أكثر الملفات حساسية في الصفقة يتعلق بالموقف الإسرائيلي من حصول السعودية على قدرات عسكرية متقدمة بهذا الحجم. ويشير التقرير إلى أن واشنطن كانت تنظر إلى التوصل إلى تفاهمات سياسية مع تل أبيب باعتباره عاملاً يمكن أن يسهل التعامل مع الاعتراضات المرتبطة بالصفقة.

غير أن الرياض كانت تواجه في المقابل معادلة سياسية شديدة التعقيد، إذ إن الانتقال إلى تطبيع علني مع إسرائيل، في ظل استمرار الحرب في غزة والقضية الفلسطينية، يحمل كلفة سياسية وإقليمية كبيرة، وهو ما جعل أي تفاهم سعودي إسرائيلي مباشَر أكثر تعقيداً.

وفي الخلفية، دخلت العلاقة السعودية الصينية أيضاً ضمن الحسابات الأميركية الأوسع، خصوصاً في المجالات المالية والتكنولوجية والاستراتيجية. ويورد التقرير أن مشاركة البنك المركزي السعودي في مشروع إم بريدج، الذي قادته الصين لتطوير منصة للمدفوعات العابرة للحدود باستخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية، انتهت بعد مراحل من المشاركة والاختبار، مع ربط مصادر التقرير هذه الخطوة بسياق المفاوضات الأميركية السعودية حول الملفات الاستراتيجية.

هنا برز المغرب في المشهد

وفق المعطيات التي يستند إليها التقرير، بدأت في مرحلة معينة قنوات اتصال بين الرباط والرياض للبحث عن مخارج تسمح بتحريك عدد من الملفات الإقليمية من دون دفع السعودية مباشرة إلى إعلان تطبيع شامل مع إسرائيل.

ولا يقدم التقرير هذا الدور باعتباره وساطة معلنة أو مهمة رسمية موثقة، وإنما ينقله عن مصادر غربية تحدثت إليه، وتقول إن النقاشات تناولت حزمة مترابطة من المصالح، بينها العلاقة المغربية الإسرائيلية، والصفقة العسكرية السعودية، والتعاون الدفاعي، وملف الصحراء، فضلاً عن التطورات المرتبطة بغزة.

وفي هذا السياق، يبرز انتقال العلاقات المغربية الإسرائيلية إلى مستوى السفارات باعتباره أحد التطورات العلنية الأكثر وضوحاً في هذه المرحلة، بعد الإعلان عنه في نيويورك يوم 16 شتنبر.

ويشير التقرير إلى أن أهمية المغرب في الحسابات الإقليمية لا ترتبط فقط بعلاقاته الثنائية، وإنما أيضاً بمكانته السياسية والدينية والجيوستراتيجية، وبعلاقته المتنامية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فضلاً عن موقعه عند الواجهة الغربية للمتوسط وقربه من مضيق جبل طارق.

الصحراء والتعاون العسكري في صلب الحسابات المغربية

بالنسبة إلى الرباط، تظل قضية الصحراء في مقدمة الملفات الاستراتيجية التي تحضر في أي نقاش يتعلق بإعادة ترتيب العلاقات الدولية للمملكة.

ووفق المصادر التي أوردها التقرير، فإن النقاشات المفترضة مع الجانب الأميركي شملت ملفات مرتبطة بالمسار الأممي لقضية الصحراء، إلى جانب صفقات عسكرية متأخرة وتطوير التعاون الدفاعي والتصنيع العسكري داخل المغرب.

غير أن التقرير يميز بوضوح بين ما هو معلن رسمياً وما نقلته المصادر. فبعض المعطيات المتعلقة بامتلاك المغرب مستقبلاً لطائرات إف-35 أو وجود ترتيبات تمويلية مرتبطة بالسعودية لا تستند، بحسب النص الأصلي، إلى وثيقة أميركية علنية أو إخطار رسمي للكونغرس، ولذلك تبقى في نطاق المعلومات المنسوبة إلى المصادر ولا يمكن تقديمها باعتبارها صفقة مؤكدة.

وهذه النقطة تكتسي أهمية خاصة، لأن حصول المغرب على هذا النوع من الطائرات، في حال تأكد مستقبلاً، سيكون تطوراً نوعياً في منظومة الدفاع الجوي للمملكة، لكن المعطيات المتاحة في التقرير لا تسمح باعتباره أمراً محسوماً.

غزة.. ملف آخر داخل المعادلة

إلى جانب السلاح والصحراء، يحضر ملف غزة باعتباره أحد الملفات التي تتقاطع فيها الحسابات المغربية والأميركية والإسرائيلية.

ويشير التقرير إلى معطيات سابقة تتحدث عن مساهمة مغربية محتملة في ترتيبات أمنية وإنسانية مرتبطة بالقطاع، تشمل مشاركة عناصر أمنية وعسكرية وإقامة مستشفى ميداني، في إطار ترتيبات أوسع لم تتضح جميع تفاصيلها بصورة رسمية.

ويعني ذلك، في قراءة المعطيات الواردة، أن التحرك المغربي لا يمكن اختزاله في العلاقة الثنائية مع إسرائيل، بل يرتبط أيضاً بموقع المملكة في الملفات الإقليمية، وبالدور الذي تضطلع به في عدد من القضايا المرتبطة بالشرق الأوسط.

واشنطن.. الطرف الذي يجمع الخيوط

في المقابل، تبدو الولايات المتحدة في قلب هذه التحركات، باعتبارها الطرف الذي ترتبط به الملفات الدفاعية السعودية، والعلاقة الأمنية مع إسرائيل، والعلاقات الاستراتيجية مع المغرب.

ويشير التقرير إلى أن الموقع الجيوستراتيجي للمغرب، وعلاقته العسكرية والأمنية الطويلة مع واشنطن، يجعلان المملكة طرفاً ذا أهمية في أي ترتيبات تتصل بغرب المتوسط وشمال إفريقيا والشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، فإن الإعلان الأميركي المتعلق بالصفقة السعودية، بعد ساعات من الإعلان المغربي الإسرائيلي، شكل حدثاً لافتاً من الناحية الزمنية، لكنه لا يشكل في حد ذاته دليلاً على وجود صفقة واحدة أو اتفاق ثلاثي معلن. ويؤكد التقرير نفسه أن الرابط بين الحدثين، والدور المحتمل الذي لعبته الرباط في بعض تفاصيل المفاوضات، ما يزال خارج الوثائق الرسمية المنشورة.

ما هو مؤكد وما يزال في دائرة المعطيات غير المعلنة؟

المؤكد أن المغرب وإسرائيل أعلنا الانتقال إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء، وأن الولايات المتحدة أعلنت في اليوم التالي موافقتها على مسار صفقة محتملة للسعودية تشمل 48 مقاتلة إف-35 و49 محركاً بقيمة تصل إلى 24.3 مليار دولار.

أما ما يتعلق بوجود تفاهم شامل جمع الرباط والرياض وتل أبيب وواشنطن، أو بدور مغربي مباشر في تليين الموقف الإسرائيلي من الصفقة السعودية، أو بوجود اتفاق مستقبلي يخص إف-35 للمغرب، فيبقى، وفق المعطيات المتاحة في التقرير، ضمن روايات المصادر ولم يتحول إلى وثائق رسمية معلنة.

وهنا تكمن أهمية التطورات الأخيرة: فالمشهد المعلن لا يكشف بالضرورة جميع تفاصيل الاتصالات التي سبقته، لكنه يؤكد في المقابل أن المنطقة تشهد إعادة ترتيب واسعة للعلاقات والتحالفات، وأن المغرب أصبح حاضراً في عدد متزايد من الملفات التي تتقاطع فيها الحسابات الأمنية والدبلوماسية والاقتصادية.

وبين الرباط وواشنطن والرياض وتل أبيب، تتشكل تدريجياً شبكة جديدة من المصالح، بعضها أصبح معلناً وبعضها الآخر لا يزال خلف أبواب التفاوض. وما ستكشفه الأسابيع والأشهر المقبلة، خصوصاً على مستوى الصحراء والتعاون الدفاعي وغزة والعلاقات المغربية الإسرائيلية، سيكون كفيلاً بتحديد ما إذا كانت التطورات الأخيرة مجرد أحداث متزامنة أم حلقات منفصلة من إعادة ترتيب إقليمي أوسع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى