فائض يتجاوز 4.8 مليارات درهم بمرافق الدولة.. أرقام تفتح النقاش حول نجاعة الإنفاق العمومي

كشفت الحصيلة المالية لمرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة عن تسجيل فائض في المداخيل تجاوز 4.8 مليارات درهم خلال سنة 2025، في وقت تراجع فيه عدد هذه المرافق إلى 161 مرفقا برسم سنة 2026، مقابل 171 مرفقا خلال السنة الماضية، وفق المعطيات المرتبطة بمشروع قانون المالية لسنة 2027.
وتثير هذه الأرقام نقاشا يتجاوز حجم المداخيل المحققة، ليمتد إلى مدى قدرة هذه المؤسسات على تحويل مواردها المالية إلى خدمات عمومية ملموسة، خصوصا أن نسبة تنفيذ النفقات لم تتجاوز 44.56 في المائة، بعدما أنجزت هذه المرافق نفقات بقيمة 2.88 مليار درهم من أصل اعتمادات مفتوحة بلغت 6.46 مليارات درهم.
وبحسب المعطيات المالية، بلغت المداخيل الإجمالية لهذه المرافق نحو 7.77 مليارات درهم، متجاوزة التوقعات المحددة في 6.72 مليارات درهم، بنسبة إنجاز بلغت 115.52 في المائة. كما وصلت المداخيل الذاتية إلى حوالي 3.02 مليارات درهم، مقابل توقعات لم تتجاوز 1.66 مليار درهم، وهو ما يعكس قدرة عدد من هذه المؤسسات على تعبئة مواردها الخاصة.
غير أن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام يرتبط بالفجوة بين الموارد المحصلة والنفقات المنجزة؛ إذ لم تتجاوز نفقات الاستثمار 402.58 مليون درهم، مقابل 2.47 مليار درهم لنفقات الاستغلال. وهي مؤشرات تطرح سؤالا حول أسباب عدم تحويل جزء أكبر من الاعتمادات المتاحة إلى مشاريع وتجهيزات وتحسينات مباشرة في الخدمات المقدمة للمواطنين.
وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المرافق المعنية، حيث يهيمن القطاع الاجتماعي على بنيتها، إذ تضم 81 مرفقا تابعا لقطاع الصحة و45 مرفقا في مجال التعليم والتكوين المهني وتكوين الأطر، إلى جانب مرافق مرتبطة بالتجهيز والنقل والبنيات التحتية.
وتبلغ حصة المرافق ذات الطابع الاجتماعي حوالي 80.2 في المائة من مجموع هذه المؤسسات، ما يجعل نجاعة تدبيرها مرتبطة بشكل مباشر بجودة الخدمات الصحية والتعليمية والتكوينية التي تصل إلى المواطنين.
ومن هنا، فإن تسجيل فائض مالي لا ينبغي أن يتحول إلى مؤشر وحيد للحكم على نجاح التدبير، لأن المعيار الحقيقي يكمن في قدرة هذه المرافق على تنفيذ برامجها، وتسريع الاستثمار، وتقليص الخصاص في التجهيزات والموارد، وتحسين ظروف استقبال المرتفقين.
كما أن ضعف تنفيذ النفقات، رغم توفر الاعتمادات، يستدعي الوقوف عند العوائق الإدارية والتقنية التي تؤخر إنجاز المشاريع، ومدى قدرة المسؤولين عن هذه المؤسسات على التخطيط والبرمجة والتعاقد والتنفيذ داخل الآجال المحددة.
وتتجه التوجهات المعلنة لسنة 2027 إلى مواصلة تحسين العرض الاستشفائي، وتطوير التكوين، واقتناء المعدات البيداغوجية، وتعزيز مراقبة البنيات التحتية الطرقية والملاحة البحرية. وهي أهداف لن تقاس بحجم الاعتمادات المرصودة فقط، وإنما بما ستحدثه من تغيير فعلي في حياة المواطنين.
إن التحدي المطروح اليوم لا يتعلق فقط بتحقيق التوازنات المالية أو تسجيل فوائض في المداخيل، بل بضمان أن تتحول الموارد العمومية إلى خدمات ومشاريع ذات أثر ملموس. فالمرفق العمومي لا يكتسب مشروعيته من حجم ما يجمعه من أموال، وإنما من جودة ما يقدمه للمواطنين ومدى احترامه لمبدأ النجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة.






