قضايا

نيران “الحوار المُلغَّم”: هل اختزل وزير الصحة أزمة القطاع في “الحارس وعامل النظافة”؟ والمطبلون يقامرون باستقرار الوطن

أطلّ وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، في حوار تلفزيوني على قناة “دوزيم” مساء أمس الثلاثاء، محاولاً تلميع صورة قطاع تهزه الاحتجاجات والفضائح، ولكن الحوار، رغم ما بدا من إعداد مسبق، لم يستطع إطفاء “نيران الغضب” المشتعلة في الشارع والمستشفيات، بل ربما زادها اشتعالاً. لقد كشف الحوار عن فجوة عميقة بين لغة الأرقام الحكومية ومرارة الواقع الصحي للمواطن.

مقتطفات من حوار الوزير: تغطية الأزمة بقشور “المناولة”

بمراجعة مقتطفات الحوار، يظهر أن الوزير ركّز على جوانب تبدو هامشية مقارنة بالعمق الهيكلي للأزمة.

1. اختزال الأزمة في “حراس الأمن وعمال النظافة”:

أشار الوزير إلى ضرورة إعادة النظر في دفاتر التحملات لشركات المناولة (الحراسة والنظافة) وضمان الحد الأدنى للأجر لمستخدميها، معتبراً أن مشكلة هذه الفئة (التي تتقاضى أجوراً زهيدة كـ 1200 أو 1500 درهم شهرياً) هي جزء من المشكل وهذه المعطيات فيها مغالطات كبرى وجب فتح تحقيق فيها.

هل يمكن لعاقل أن يقتنع بأن أعطاب مستشفيات متهالكة ونقصاً حاداً في الأطر والأدوية يمكن اختزالها في سوء أداء عناصر الحراسة أو نساء النظافة أو مستخدمي العربات لنقل المرضى؟ إن هذا التوجه، الذي يركز على الحلقة الأضعف والأكثر هشاشة في المنظومة، هو بمثابة “كَبْش فداء” لتغطية فشل في التخطيط والتدبير على المستويات العليا. إنها محاولة مكشوفة لتحويل اللوم عن المسؤولين الكبار وإلقائه على الضحايا الذين يتقاضون “فتات” الأجر.

2. التبرير بتعديل الصفقات:

في رده على الجدل حول تعليق بعض الصفقات، نفى الوزير إيقافها بـ”رسالة نصية” (SMS)، مؤكداً أنه طلب إعادة النظر في دفتر التحملات بهدف تحسين الجودة وضمان التزام الشركات بحقوق العمال، و لماذا لم يتحدث الوزير عن الصفقات أنها يتحكم بها من مقر رئاسة الحكومة.

نقد لاذع: التركيز المفرط على “دفتر التحملات” هو تفاصيل إدارية لا تهم المريض المُحتضر. المواطن يريد أن يعرف: لماذا وصل المستشفى أصلاً إلى هذا الدرك؟ لماذا كانت دفاتر التحملات “فارغة” أو “مخترقة” في السابق؟ إن إعادة النظر في ورقة لا يحل مشكلة غياب الأطباء، ولا نقص أجهزة الإنعاش.

الغياب “البروتوكولي” للوزير و”التدبير عن بُعد” من رئاسة الحكومةإن قطاع الصحة لم يسقط في الحضيض بين عشية وضحاها، بل هو نتيجة “فراغ في القيادة” و**”تسيير بـالوكالة”**. فالمعلومات المتداولة، والتي لم يفندها الوزير في حواره بشكل مقنع، تشير إلى أن الوزارة كانت تدبر فعلياً “عن بُعد” من داخل رئاسة الحكومة.

تشير المصادر أن الوزير لم يستقر بعد في منصبه الإداري بشكل كامل، حيث شهدت الوزارة استقالة مدير ديوانه، منصف أمزان، احتجاجاً على ما وُصف بـ “نفوذ مستشارة” و”التحكم” في القرارات. هذا الغياب الهيكلي للوزير عن وزارة الصحة، وعدم تنصيب فريق عمل متكامل (مدير ديوان ومستشارين)، يضع علامات استفهام كبرى حول من يدير فعلياً هذا القطاع الحيوي.

وفيما كان القطاع ينتظر خططاً إنقاذية، أشارت تقارير صحفية إلى أن الوزير التهراوي، الذي عرف بخلفيته كرجل أعمال قريباً من رئيس الحكومة، كان منشغلاً بتشييد منتجع سياحي في تاغزوت، مما يعزز فكرة أن موقعه في الوزارة كان “بروتوكولياً” لضمان استمرار سياسات معينة، بينما الملفات الحساسة كانت تحت إشراف “آخرين” في الحكومة.

“إغاثة أكادير” على حساب مستشفيات أخرى: شهادة لا يمكن إنكارها

هل تحدث الوزير عن الأزمة الحقيقية التي فجرت الاحتجاجات في منطقة سوس؟

لم يأتِ الوزير في حواره بتفاصيل كافية حول واقع الخصاص المهول في الأدوية والأدوات البيوطبية الذي تعاني منه المستشفيات العمومية. بل على العكس، تشير الإجراءات العاجلة المتخذة في مستشفى الحسن الثاني بأكادير بعد الاحتجاجات (إعفاء مسؤولين، توفير أدوية ومستلزمات، جلب جهاز سكانير) إلى واقع مرير:

التساؤل القاتل: هل صحيح ما يتداوله الرأي العام من أن الوزارة وجهت كل ما تملكه من عتاد وأسرة وأجهزة وأدوية إلى مستشفى الحسن الثاني بأكادير كـ “مسكن عاجل” لإطفاء نار الاحتجاجات؟ وهل صحيح أن مستشفيات أخرى طلبت مستلزمات حيوية، فكان الرد هو أن “المستودع فارغ، والكل وُجِّه إلى أكادير”؟ هذا التحويل المفاجئ للموارد، إن صح، هو دليل إدانة لسياسة “الترقيع” و**”الإدارة بالأزمة”** بدلاً من التخطيط الاستراتيجي الشامل.

كما أن الوزير لم يقدم أي إجابات واضحة عن “البلوكاج” الذي تعاني منه العديد من المستشفيات بسبب انتهاء مهام المدراء وفشل مباريات التوظيف في استقطاب الكفاءات اللازمة، مما يؤكد أن المشكل ليس في “الجدران والصباغة”، بل في إدارة الموارد البشرية والاحترام المفقود للطبيب والممرض والمريض.

المقامرة بالوطن: التلميع لا يطفئ الغضب

إن نجاح الوزير في الحوار، إن وُجد، كان في حدود “تلميع الصورة” والظهور كـ “محاور مقنع لأسئلة مُعدّة” لم تخض بما فيه الكفاية في هموم القطاع بقدر ما خاضت في “بقايا” الأزمة.

إن محاولة دفع “المطبلين” للتصفيق لحوار بروتوكولي، في الوقت الذي تشير فيه التقارير والمظاهرات إلى أن قطاع الصحة أصبح أحد أهم مسببات الاحتجاجات الاجتماعية، هو مقامرة بـاستقرار الوطن.

كيف يمكننا أن نصفق لوزير بينما الواقع يقول إن الاحتجاجات تطالب اليوم بإقالته وإقالة نظرائه ومحاربة الفساد؟ هذا هو الواقع الصلب الذي لن يزول مع أول قطرة مطر. إن الوطن فوق الجميع، واستقراره أولوية قصوى، وهذا لا يتحقق إلا بربط المسؤولية بالمحاسبة وتقديم أجوبة حقيقية على أزمة الصحة، وليس بـ “مساحيق تجميل” إعلامية سرعان ما ستزول مع أول هبة غيث.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى