حرب الجماعات الترابية تشتعل في دورة أكتوبر.. المنتخبون يتصارعون والمواطنون يدفعون الثمن

في مشهد سياسي فوضوي يختصر حال الجماعات الترابية بالمغرب، اندلعت صباح اليوم الثلاثاء شرارة “حرب أكتوبر” المحلية، حيث تحولت دورات المجالس الجماعية والجهوية في مختلف ربوع المملكة إلى ساحات تصفية حسابات ومشاحنات سياسية بين الأغلبية والمعارضة، في وقتٍ يعيش فيه الشارع المغربي على وقع احتجاجات جيل “Z” وشعورٍ عام بالاحتقان والخذلان.
من مراكش إلى فاس، مروراً بصفرو ومكناس ومدن أخرى، تتكرر المشاهد نفسها: عراك لفظي، انسحابات جماعية، غياب النصاب القانوني، وتبادل الاتهامات بين مكونات الأغلبية الحكومية نفسها. ففي مراكش، تفجرت دورة المجلس الجماعي على وقع هجومٍ لفظي وُصف بالمشين ضد العمدة فاطمة الزهراء المنصوري، التي وجّه حزبها الأصالة والمعاصرة أصابع الاتهام إلى “مجهولين مشبوهين” تم تسخيرهم لنسف أشغال الدورة، في إشارة واضحة إلى حرب داخلية بين مكونات التحالف الحكومي نفسه.
أما في فاس، فقد بلغت الفوضى ذروتها بعدما انسحب كل من الأغلبية والمعارضة معاً، إلى جانب رؤساء المقاطعات، احتجاجاً على أسلوب تسيير العمدة عبد السلام البقالي المنتمي لحزب التجمع الوطني للأحرار، لتتحول الدورة إلى مهزلة سياسية كشفت عمق الانقسام والعجز عن إدارة الشأن المحلي.
وفي صفرو، لم يجد ستة أعضاء من المعارضة بداً من تقديم استقالاتهم الجماعية، معلنين نهاية الثقة في مؤسسة المجلس. بينما مكناس عاشت على وقع الشلل التام بعد فشل انعقاد الدورة بسبب غياب النصاب القانوني، في سابقة تعكس احتقار المنتخبين لمسؤولياتهم تجاه المواطنين.
وفي مدن أخرى، ارتفعت أصوات الصراخ والاتهامات داخل قاعات الاجتماعات، وتحوّلت الطاولات إلى ساحات للمواجهة بين المستشارين، في مشهد عبثي يختزل “الرداءة السياسية” التي وصلت إليها المجالس المنتخبة.
هذه الدورة التي وُصفت من قبل متابعين بـ”الفضيحة الانتخابية”، كشفت أن أغلب المنتخبين لا يعنيهم سوى الحفاظ على امتيازاتهم ومصالحهم الشخصية، غير آبهين بمعاناة المواطنين أو بأزمة الثقة العميقة التي تضرب المؤسسات المنتخبة. فبينما يخرج شباب جيل “Z” إلى الشوارع مطالبين بالإصلاح والعدالة الاجتماعية، يختبئ المنتخبون خلف جدران المجالس، يلهثون وراء الصفقات والمناصب، وكأنهم يعيشون في كوكب آخر.
مصادر مطلعة أكدت أن وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت لم يقف مكتوف الأيدي، إذ رصدت المفتشية العامة للإدارة الترابية اختلالات خطيرة داخل عدد من الجماعات، تتعلق بصفقات مشبوهة، وسندات طلب مفصلة على المقاس، ومشاريع تنموية فارغة لا وجود لها على أرض الواقع، فضلاً عن التلاعب في ملفات العمال العرضيين والصفقات العمومية.
وأمام هذا المشهد المقلق، تستعد وزارة الداخلية، لمحاسبة عدد كبير من الرؤساء والمنتخبين الذين تورطوا في سوء التسيير أو شبهات فساد، في إطار التفعيل الحقيقي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي دعا إليه الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة.
وفي خطوة تعكس التحول في منهجية الدولة، وجهت وزارة الداخلية تعليماتها إلى الولاة والعمال بعقد اجتماعات حول المشروع الملكي الجديد للتنمية المجالية دون حضور المنتخبين، في رسالة واضحة مفادها أن زمن “الريع الانتخابي” و”احتكار التنمية” قد انتهى، وأن التخطيط للمشاريع المستقبلية سيتم على أسس علمية ومؤسساتية، لا على منطق الولاءات الحزبية أو الحسابات الضيقة.
إن ما جرى خلال دورة أكتوبر ليس مجرد “فوضى سياسية عابرة”، بل إنذار أحمر يعلن فشل النخب المحلية في مواكبة التحولات الاجتماعية والسياسية التي يعرفها المغرب. ففي الوقت الذي تبحث فيه البلاد عن نموذج تنموي جديد يعيد الثقة للمواطن، ما زال كثير من المنتخبين غارقين في “التهافت والأنانية”، وكأنهم لم يدركوا بعد أن الزمن السياسي تغيّر، والمحاسبة قادمة لا محالة.






