اقتصاد

وزارة النقل تتنصل من الملف وترمي الكرة إلى الداخلية: من يُقنّن فوضى النقل عبر التطبيقات؟

في خطوة أثارت الكثير من الجدل، تنصلت وزارة النقل واللوجستيك من مسؤوليتها المباشرة في ملف النقل عبر التطبيقات الذكية، وألقت بالكرة في ملعب وزارة الداخلية، مؤكدة أن هذا النوع من النقل يندرج ضمن اختصاصاتها، لأنه يدخل في إطار النقل الحضري وليس الطرقي.
بلاغ الوزارة، الصادر أمس الاثنين، جاء بعد تداول أخبار عن رفضها منح تراخيص لمهنيي النقل الذكي، وهو ما كشف مرة أخرى عن غياب رؤية موحدة داخل أجهزة الدولة بخصوص تقنين هذا القطاع، الذي تحوّل إلى ساحة صراع مفتوح بين سائقي سيارات الأجرة التقليديين ومستخدمي التطبيقات الحديثة.

الوزارة أوضحت أن الإطار القانوني المعمول به في النقل الطرقي للأشخاص لا يتضمن أي مقتضيات واضحة تؤطر خدمات النقل عبر التطبيقات، وهو ما فسّره مراقبون على أنه محاولة للتهرب من معالجة الموضوع بجدية، خصوصاً وأن هذه التطبيقات تعمل بشكل علني في كبريات المدن دون أي سند قانوني واضح.

مع توسع استعمال تطبيقات النقل الذكي في مدن مثل الرباط، الدار البيضاء، طنجة، وفاس، تحولت الشوارع إلى ساحات مواجهة يومية بين سائقي سيارات الأجرة ومستخدمي هذه التطبيقات.
مشاهد المطاردات، الاعتداءات، وحالات التهديد باتت متكررة، آخرها حادثة الاعتداء على دبلوماسي روسي كان يستعمل سيارة تابعة لتطبيق ذكي، وهو ما أثار استنكاراً واسعاً ودفع برلمانيين إلى مساءلة الحكومة حول غياب التقنين والفوضى التي باتت تهدد السلم الاجتماعي.

في المقابل، يرى عدد من المواطنين أن هذه التطبيقات تمثل بديلاً عصرياً وسلساً للنقل التقليدي، وتوفر الوقت والجودة، وتنسجم مع التحول الرقمي العالمي، بينما يرى المهنيون في سيارات الأجرة أن هذه الخدمات غير قانونية وتمسّ بمصدر رزقهم، في ظل غياب قوانين واضحة تحمي حقوق جميع الأطراف.

من جانبه، كان وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت واضحاً في موقفه حين أكد أمام البرلمان أن استخدام التطبيقات الذكية للنقل دون ترخيص هو “ممارسة غير مشروعة”، مشدداً على أن أي جهة غير مختصة تتدخل في هذا الملف تُعرّض نفسها للمساءلة القانونية.
وأوضح الوزير أن القانون المغربي، خاصة الظهير الشريف رقم 1.63.260 والقانون 52.05 المتعلق بمدونة السير، يمنع أي شخص من تقديم خدمات النقل أو الوساطة عبر التطبيقات دون ترخيص رسمي، مضيفاً أن المصالح الأمنية تقوم بحملات دورية ضد المخالفين، بالتنسيق مع السلطات المحلية.

بين بلاغ وزارة النقل ورد وزارة الداخلية، يجد المواطن نفسه وسط فوضى قانونية خانقة، فلا الإطار التنظيمي واضح، ولا التنسيق بين الوزارات قائم، فيما تواصل الشركات العاملة عبر التطبيقات تقديم خدماتها بشكل طبيعي وكأنها تشتغل في “منطقة رمادية” خارج سلطة القانون.
هذا التراشق في المسؤوليات بين الوزارتين يعكس ضعف التنسيق المؤسساتي في معالجة قضايا النقل العمومي، ويطرح سؤالاً جوهرياً: من الجهة التي تملك القرار الفعلي في ضبط هذا القطاع؟ ومن يحمي المواطن من تداعيات غياب الوضوح القانوني؟

الملف اليوم لم يعد يحتمل البلاغات والتوضيحات، بل يحتاج إلى قرار سياسي شجاع يحدد بوضوح الجهة المسؤولة ويضع إطاراً قانونياً متقدماً للنقل عبر التطبيقات.
فالمواطن لا يعنيه من يتحمل المسؤولية، بقدر ما يعنيه أن يجد خدمة نقل آمنة، قانونية، ومنظمة.
أما استمرار التملص المتبادل بين الوزارات، فليس سوى تكريس للفوضى وتضييع للثقة في المؤسسات، في وقت يحتاج فيه المغرب إلى إدارة ذكية تواكب التحولات الرقمية، لا أن تظل حبيسة جدل الاختصاصات والبلاغات الغامضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى