اقتصاد

محطة أݣوراي لتحلية المياه الأجاجة: فاس–مكناس تنتقل من تدبير العطش إلى صناعة الأمن المائي

في خطوة تحمل دلالات استراتيجية عميقة، تواصل الشركة الجهوية متعددة الخدمات جهة فاس–مكناس إعادة رسم ملامح سياستها المائية، عبر إطلاق مشاريع مهيكلة تقوم على حلول غير تقليدية لمواجهة الإجهاد المائي. ويأتي مشروع محطة أݣوراي لتحلية المياه الجوفية الأجاجة، بإقليم الحاجب، كأحد أبرز هذه الأوراش التي تعكس تحوّلاً فعلياً من تدبير الأزمة إلى بناء الأمن المائي المستدام.

هذا المشروع، الذي يندرج في إطار شراكة متعددة الأطراف تجمع بين وزارة الداخلية،وولاية جهة فاس مكناس، وجهة فاس–مكناس، والشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس، يُجسد ترجمة ميدانية للتوجيهات الملكية السامية الداعية إلى تنويع مصادر التزود بالماء، والاعتماد على الابتكار لمواجهة التغيرات المناخية المتسارعة.

مشروع في زمن قياسي واستثمار موجّه

خروج محطة أݣوراي إلى حيز الوجود لم يكن مجرد إعلان نوايا، بل تحقق في ظرف زمني وجيز لم يتجاوز 8 أشهر، وبتكلفة إجمالية بلغت 7.5 مليون درهم، ما يعكس نجاعة في التنفيذ وتسريعاً في وتيرة إنجاز المشاريع الحيوية التي تلامس الحياة اليومية للمواطنين.

وتُعد هذه المحطة نموذجاً عملياً لتوجيه الاستثمارات نحو مشاريع ذات أثر مباشر، خاصة في المناطق التي تعاني من هشاشة مائية متزايدة، حيث لم يعد الاعتماد على الموارد التقليدية كافياً لضمان استمرارية التزود.

تكنولوجيا متقدمة لضمان جودة الماء

تعتمد محطة أݣوراي على منظومة تقنية متكاملة لمعالجة المياه الجوفية المالحة، تنطلق من مرحلة الضخ والمعالجة الأولية لإزالة الشوائب، مروراً بتقنية التناضح العكسي التي تشكل قلب العملية، حيث يتم فصل الأملاح والمعادن وتحويل المياه إلى صالحة للشرب، وصولاً إلى مرحلة التعقيم وضبط التوازن الكيميائي وفق المعايير الوطنية للجودة والسلامة الصحية.

وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمحطة حوالي 3 لترات في الثانية، ما سيمكن من تزويد نحو 4500 نسمة من ساكنة المدينة بالماء الصالح للشرب، وهو رقم يحمل دلالة كبيرة بالنظر إلى حجم المعاناة التي كانت تعيشها هذه المناطق، خاصة خلال فصل الصيف.

من ميسور إلى أݣوراي: مسار متكامل لمواجهة الندرة

محطة أݣوراي ليست معزولة، بل تندرج ضمن مسار متكامل انطلق بمشاريع أولية، من بينها محطة سابقة بإقليم ميسور، والتي شكلت تجربة أولى في اعتماد الحلول البديلة لتأمين التزود بالماء في المناطق المتضررة.

واليوم، يتعزز هذا المسار بإطلاق مشاريع أكثر تطوراً، ما يعكس نضجاً في الرؤية ووضوحاً في التوجه نحو تعميم هذه التجارب على نطاق أوسع داخل الجهة.

الشركة الجهوية في قلب التحول

وتقف الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس في صلب هذا التحول، باعتبارها الجهة المفوض لها تدبير هذا القطاع الحيوي، حيث أشرفت بشكل مباشر على تركيب وتشغيل المحطة، مستندة إلى خبرة تقنية متنامية، ورؤية مؤسساتية تنسجم مع توجهات وزارة الداخلية.

ويتم هذا الاشتغال تحت إشراف والي جهة فاس–مكناس، وبتنسيق محكم مع مختلف عمال الأقاليم، ما يمنح المشاريع بعداً ترابياً متكاملاً، ويضمن استجابة أدق لانتظارات الساكنة.

برنامج طموح لـ11 محطة… وأفق جديد للجهة

ولا يتوقف الطموح عند محطة أݣوراي، بل يمتد إلى برنامج أوسع يهدف إلى إحداث 11 محطة لتحلية المياه الأجاجة بمختلف أقاليم وعمالات الجهة، في خطوة تعكس وعياً استراتيجياً بضرورة تعميم هذه الحلول، خاصة في ظل التغيرات المناخية وتراجع الموارد المائية التقليدية.

هذا التوجه من شأنه أن يغير بشكل جذري خريطة التزود بالماء داخل الجهة، ويضع حداً تدريجياً لمعضلة العطش التي ظلت تؤرق الساكنة لسنوات، خصوصاً في المناطق القروية وشبه الحضرية.

نحو نهاية زمن العطش

لقد كانت جهة فاس–مكناس، إلى وقت قريب، من بين الجهات التي تعاني بشكل حاد من ندرة المياه، خاصة خلال فصل الصيف، حيث كانت الانقطاعات وندرة الصبيب واقعاً يومياً لآلاف الأسر. غير أن المؤشرات الحالية توحي ببداية تحول حقيقي، تقوده مشاريع مهيكلة واستثمارات موجهة بعناية.

ومع توالي إطلاق محطات التحلية، وتأهيل الشبكات، وتحسين حكامة القطاع، تبدو الجهة مقبلة على سنوات واعدة مائياً، قد تنهي تدريجياً مرحلة الهشاشة، وتفتح الباب أمام استقرار تنموي أوسع.

رهان الاستمرارية والمساءلة

ورغم هذا التقدم، يبقى التحدي الأكبر في الحفاظ على نفس الدينامية، وتسريع تنزيل باقي المشاريع المبرمجة، مع ضمان الشفافية في التدبير، وربط النتائج بالمحاسبة.

فنجاح محطة أݣوراي لا يجب أن يُقرأ كإنجاز معزول، بل كنقطة انطلاق نحو نموذج جديد في تدبير الموارد المائية، قوامه الابتكار، والنجاعة، والإنصاف المجالي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى