وزارة الداخلية تُطلق عملية افتحاص واسعة لتمويل الجمعيات وتُشدد الرقابة على الدعم العمومي تزامناً مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية

تشهد عدد من جهات المملكة، خلال الأسابيع الأخيرة، تعبئة إدارية لافتة داخل مصالح وزارة الداخلية، في إطار حملة افتحاص شاملة تستهدف ملفات تمويل الجمعيات المستفيدة من الدعم العمومي برسم دورات شهر ماي، في سياق يُسجَّل فيه تشديد متزايد على آليات الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة.
وتندرج هذه العملية، وفق معطيات متقاطعة، ضمن توجه مركزي يروم إعادة ضبط منظومة الدعم العمومي الموجه للنسيج الجمعوي، والتأكد من احترام قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص، ومنع أي استغلال محتمل للمال العام في سياقات ذات طابع انتخابي أو غير تنموي.
وباشرت أقسام الشؤون الداخلية على مستوى عمالات وأقاليم كبرى، عمليات تدقيق دقيقة تشمل الاتفاقيات المبرمة بين الجماعات الترابية والجمعيات، مع التركيز على مدى احترام معايير الحكامة الجيدة، ونجاعة المشاريع الممولة، وارتباطها الفعلي بالأولويات الاجتماعية والتنموية للساكنة.
ووفق المصادر ذاتها، فإن هذه التحريات لا تقتصر على الجانب المحاسباتي فقط، بل تمتد إلى تحليل البنية التدبيرية للجمعيات المستفيدة، ومسارات صرف الدعم العمومي، ومدى احترام قواعد المنافسة والشفافية في اختيار المشاريع.
في سياق متصل، أفادت معطيات مرتبطة بعمليات التتبع أن مصالح المراقبة وضعت حالات محتملة لتضارب المصالح تحت تدقيق خاص، بعد رصد مؤشرات أولية حول وجود جمعيات يُشتبه في ارتباطها المباشر أو غير المباشر بمنتخبين محليين أو مقربين منهم.
كما تم تسجيل حالات تتعلق بتداخل بين أنشطة جمعوية ومقاولات خاصة، ما يثير تساؤلات حول إمكانية توجيه التمويلات العمومية نحو مصالح تجارية أو مشاريع غير ذات طابع عام، في مخالفة لمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص.
وفي هذا الإطار، يجري الحديث عن تفعيل مقتضيات قانونية مرتبطة بتضارب المصالح، من ضمنها المادة 65 من القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، في حال ثبوت حالات استغلال النفوذ أو التلاعب في مساطر الدعم العمومي.
بالتوازي مع ذلك، رفض عدد من الولاة والعمال التأشير على ميزانيات بعض الجماعات الترابية برسم سنة 2026، بعد تسجيل زيادات غير مبررة في بنود دعم الجمعيات، وغياب معايير واضحة لتوزيع الاعتمادات المالية.
وتشير نفس المعطيات إلى أن السلطات الإقليمية أعادت عدداً من الميزانيات إلى المجالس المنتخبة من أجل إعادة الدراسة، مع التشديد على ضرورة اعتماد مقاربة قائمة على النتائج، وربط الدعم العمومي بجدوى المشاريع وقابليتها للتنفيذ وأثرها المباشر على المواطنين.
وتعكس هذه التحركات، وفق مراقبين، توجهاً نحو إعادة هيكلة عميقة لمنظومة الدعم العمومي الموجه للجمعيات، عبر الانتقال من منطق الدعم التقليدي القائم على العلاقات إلى منطق التعاقد على أساس الأثر والنتائج.
كما يُنتظر أن تُفرض خلال المرحلة المقبلة معايير أكثر صرامة، تشمل إلزام الجمعيات بنشر تقارير مالية مفصلة، وتقديم حصيلة دقيقة حول إنجاز المشاريع الممولة، إلى جانب إخضاعها لتقييم دوري من طرف لجان مستقلة أو مختصة.
وتتزامن هذه الحملة الرقابية مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، ما دفع الإدارة الترابية إلى اعتماد حزمة من الإجراءات الاستباقية، في إطار ضمان تكافؤ الفرص بين الفاعلين السياسيين، وتحصين تدبير المال العام من أي استغلال محتمل.
ومن بين هذه الإجراءات:
- تعزيز المراقبة القبلية والبعدية على ملفات الدعم العمومي الموجه للجمعيات.
- إلزام الجماعات الترابية بتبرير اختياراتها في توزيع التمويلات وربطها بمؤشرات التنمية المحلية.
- تفعيل لجان تفتيش إقليمية وجهوية لرصد أي اختلالات محتملة في تدبير المشاريع الجمعوية.
- التشدد في التأشير على الميزانيات المحلية خاصة تلك التي تتضمن زيادات غير مبررة في الاعتمادات الاجتماعية.
- تتبع مسارات التمويل العمومي لمنع أي تداخل بين العمل الجمعوي والاستحقاقات الانتخابية.
- تقوية آليات المحاسبة وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير الشأن المحلي.
وتندرج هذه الدينامية الرقابية في سياق وطني عام يعرف تسارعاً في ورش إصلاح تدبير المال العام وتعزيز الشفافية، خصوصاً في ما يتعلق بالتمويلات العمومية الموجهة للمجتمع المدني، باعتباره فاعلاً أساسياً في التنمية المحلية.
ويرى متتبعون أن المرحلة الحالية تتجه نحو تكريس نموذج جديد في العلاقة بين الإدارة والجمعيات، يقوم على الصرامة في التتبع، والوضوح في المعايير، والنجاعة في النتائج، مع تقليص هامش التسيير غير المراقب للتمويلات العمومية.
في المحصلة، تعكس هذه الإجراءات المتزامنة مع التحضير للاستحقاقات التشريعية المقبلة، إرادة واضحة لإعادة ضبط قواعد تدبير الدعم العمومي، وإغلاق المنافذ أمام أي ممارسات قد تمس بنزاهة العملية الانتخابية أو تخل بمبدأ تكافؤ الفرص.
كما تشير المعطيات إلى أن المرحلة القادمة قد تشهد مزيداً من التشديد في مراقبة التمويلات العمومية، في اتجاه ترسيخ حكامة جديدة قائمة على الشفافية، وربط الدعم العمومي بالأثر التنموي الحقيقي، بعيداً عن أي توظيف سياسي أو انتخابي.






