ملف الأحد | المغرب يغيّر قواعد اللعبة مع إسبانيا.. أزمة سبتة والهجرة في قلب المواجهة.. بين دبلوماسية الرباط ومناورات مدريد

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي
من صفحة جديدة إلى اختبار صعب.. هل وضعت أزمة سبتة العلاقات المغربية الإسبانية أمام لحظة الحقيقة؟
لم تكن أزمة سبتة التي انفجرت في نهاية يوليوز مجرد موجة جديدة من الهجرة غير النظامية، ولا مجرد ضغط ظرفي على مدينة صغيرة اعتادت خلال السنوات الماضية أن تكون إحدى أكثر النقاط حساسية على الحدود الجنوبية لأوروبا، وإنما تحولت خلال أيام قليلة إلى اختبار حقيقي لطبيعة العلاقات المغربية الإسبانية، وأعادت إلى الواجهة أسئلة كثيرة حول مستقبل الشراكة بين الرباط ومدريد، وحدود التعاون في مجال الهجرة، وحجم الثقة السياسية بين البلدين، وما إذا كانت الصفحة الجديدة التي فتحت منذ سنة 2022 قادرة فعلاً على الصمود أمام أول أزمة كبيرة ذات أبعاد أمنية وسياسية وإنسانية متشابكة.
فقد شهدت سبتة خلال أواخر يوليوز تدفقاً استثنائياً لمهاجرين قادمين من الجانب المغربي، أغلبهم مغاربة، حاول عدد كبير منهم الوصول إلى المدينة سباحة، بينما تحدثت السلطات الإسبانية عن دخول أكثر من 1500 شخص إلى سبتة خلال أيام قليلة، فيما تحدثت تقارير لاحقة عن أعداد أكبر بكثير في ذروة الأزمة، وهو ما أدى إلى ضغط شديد على مرافق الاستقبال ودفع مدريد إلى تعزيز قواتها الأمنية في المدينة. وفي المقابل، تدخلت السلطات المغربية في البحر لاعتراض أعداد كبيرة من الراغبين في العبور، فيما قامت فرق الإنقاذ الإسبانية بإنقاذ آخرين.
وهكذا تحولت سبتة مرة أخرى إلى مرآة تعكس تعقيدات العلاقة بين البلدين، لأن كل ما يحدث فيها لا يمكن عزله عن طبيعة الحدود والجغرافيا والتعاون الأمني والهجرة والسياسة الخارجية.
العلاقة التي بدت مستقرة تدخل اختباراً جديداً
قبل هذه الأزمة، كانت مدريد والرباط تقدمان علاقاتهما باعتبارها نموذجاً لشراكة استراتيجية متقدمة، خصوصاً منذ التحول الكبير في الموقف الإسباني من قضية الصحراء المغربية سنة 2022، وهو التحول الذي فتح الباب أمام إعادة بناء الثقة بعد أزمة دبلوماسية حادة.
ومنذ ذلك التاريخ، تطورت الاتصالات بين البلدين في مجالات عديدة، من التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة إلى الهجرة والتجارة والاستثمار، كما أصبحت الرباط شريكاً أساسياً لإسبانيا في تدبير ملف الهجرة نحو أوروبا.
وفي أبريل 2025، أكدت الحكومة الإسبانية رسمياً أن العلاقات مع المغرب توجد في حالة ممتازة، وأشارت إلى التقدم في خارطة الطريق المشتركة، ومن بينه التعاون في مجال الهجرة، والهجرة الدائرية، ومحاربة شبكات الهجرة غير النظامية، إضافة إلى إعادة فتح الجمارك التجارية في سبتة ومليلية.
لكن العلاقات الاستراتيجية لا تُقاس فقط بعدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما تظهر قوتها الحقيقية عندما تقع الأزمات.
وأزمة سبتة كانت واحدة من تلك اللحظات التي اختبرت فيها مدريد والرباط قدرة كل منهما على الحفاظ على التواصل، وتجنب الانزلاق إلى التصعيد، والتمييز بين أزمة هجرة وبين أزمة سياسية أوسع.
المغرب لم يتخل عن التعاون.. لكنه ليس دركي أوروبا
أحد أهم المعطيات التي ينبغي وضعها في صلب النقاش هو أن المغرب لم يكن غائباً عن إدارة الأزمة، بل تدخلت قواته البحرية والأمنية لاعتراض أعداد كبيرة من الأشخاص الذين حاولوا الوصول إلى سبتة، بينما أكدت تقارير إسبانية أن التعاون المغربي ساهم في الحد من وصول أعداد أكبر إلى المدينة،و أن المغرب يؤدي فاتورة غالية و حارقة من خلال إستقبال جحافيل المهاجرين من جنوب الصحراء و الدولة العربية،و أن الجزائر متورطة بشكل مباشر في محاولة إغراق المغرب بالمهاجرين الأفارقة و العرب الغير النظاميين.
وهذا يطرح سؤالاً أساسياً على المستوى الأوروبي: إلى أي حد يمكن أن يستمر الاعتماد على المغرب باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة الهجرة القادمة من الجنوب؟
المغرب تعاون، ويتعاون، وسيواصل التعاون في مواجهة شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية، لأن الهجرة غير النظامية ليست في مصلحة المغرب كما أنها ليست في مصلحة إسبانيا أو الاتحاد الأوروبي، لكن هذا التعاون لا يعني أن المملكة مطالبة بتحويل نفسها إلى جهاز أمني خارجي لأوروبا.
فالمغرب دولة شريكة، وليس دركياً لأوروبا.
وهذه المعادلة يجب أن تكون واضحة، لأن الشراكة الحقيقية تقوم على المصالح المتبادلة، وعلى تحمل المسؤوليات بشكل متوازن، وليس على مطالبة طرف واحد بالتدخل كلما ظهرت أزمة على الحدود الأوروبية.
لماذا انفجرت أزمة سبتة بهذا الحجم؟
حتى الآن، لا توجد رواية واحدة تحظى بإجماع حول الأسباب المباشرة للحجم الاستثنائي لموجة العبور.
فقد ربطت السلطات الإسبانية وبعض وسائل الإعلام الزيادة الأخيرة بحكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية في 8 يوليوز بشأن الإجراءات القانونية الواجب اتباعها مع الأشخاص الذين يصلون إلى سبتة أو مليلية عن طريق البحر، بينما ظهرت على شبكات التواصل الاجتماعي معلومات مضللة أو مبالغ فيها حول طبيعة الحكم وما يعنيه بالنسبة إلى المهاجرين.
وقد حذرت تقارير صحفية من أن بعض هذه المعلومات ربما شجعت أشخاصاً على الاعتقاد بأن الوصول إلى سبتة سباحة سيمنحهم فرصة أكبر للبقاء داخل الأراضي الإسبانية، في حين أن الحكم لم يكن بمثابة فتح للحدود، وإنما يتعلق بالإجراءات القانونية الواجب احترامها في حالات محددة.
لكن من الخطأ اختزال الأزمة كلها في حكم قضائي أو منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، لأن الهجرة ظاهرة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها البطالة، والفوارق الاقتصادية، وانتظارات الشباب، والشبكات التي تستغل رغبة الأشخاص في الوصول إلى أوروبا، إضافة إلى عوامل ظرفية مرتبطة بالطقس والأمن والحدود.
وقد ذهب مسؤول في الصليب الأحمر الإسباني إلى رفض اختزال الظاهرة في مفهوم «تأثير النداء»، معتبراً أن دوافع الهجرة متعددة وأن هناك ما يمكن وصفه بدافع أو ضغط داخلي يدفع الأشخاص إلى محاولة البحث عن حياة أفضل.
لكن الأزمة كشفت أيضاً هشاشة الوضع في سبتة
مهما اختلفت أسباب الأزمة، فإن نتيجتها كانت واضحة: مدينة صغيرة ذات موارد محدودة وجدت نفسها أمام ضغط يفوق قدرتها الاستيعابية.
فمركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين في سبتة تبلغ طاقته الرسمية نحو 512 مكاناً، بينما تجاوز عدد الوافدين خلال فترة قصيرة قدرة مرافق الاستقبال، ما دفع السلطات المحلية إلى المطالبة بتدخل الحكومة المركزية وتوزيع جزء من الوافدين على مناطق إسبانية أخرى.
كما سجلت عمليات العبور خسائر بشرية مؤلمة، بعدما عثر على جثث في البحر، في وقت أصبحت فيه عمليات الإنقاذ البحري شبه يومية خلال ذروة الأزمة.
وهنا يجب أن تكون المقاربة مختلفة: الهجرة ليست مجرد رقم أمني، والمهاجر ليس مجرد شخص يحاول اختراق الحدود، وإنما إنسان قد يكون مستعداً للمخاطرة بحياته في البحر لأنه يرى أن مستقبله في الضفة الأخرى أفضل.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل حق الدول في حماية حدودها وتطبيق قوانينها.
المطلوب إذن هو التوازن بين الأمن والإنسان، وبين حماية الحدود واحترام الكرامة.
المغرب وإسبانيا.. تعاون أمني لا يمكن إنكاره
هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها وسط كل الجدل السياسي: التعاون الأمني المغربي الإسباني أصبح خلال السنوات الأخيرة واحداً من أهم عناصر العلاقة بين البلدين.
فإسبانيا نفسها أقرت مراراً بأهمية التعاون مع الرباط في مكافحة شبكات الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة، كما أن البلدين ينسقان في ملفات أمنية متعددة.
بل إن تدبير عملية عبور مئات الآلاف من المغاربة المقيمين بالخارج عبر التراب الإسباني خلال الصيف يتطلب مستوى عالياً من التنسيق بين البلدين، وقد شاركت في عملية العبور الإسبانية أجهزة ومؤسسات عديدة، بينما يعتمد نجاحها في جزء مهم منه على التنسيق مع الجانب المغربي.
وهذا يثبت أن العلاقات ليست مجرد خلافات سياسية تظهر في الأخبار، بل شبكة مصالح عميقة تجعل القطيعة أو التصعيد الكامل خياراً مكلفاً للجانبين.
لكن الشراكة لا تعني أن يكون المغرب تابعاً للقرار الأوروبي
هنا تحديداً ينبغي على مدريد أن تفهم طبيعة التحول الذي عرفه المغرب.
فالمملكة لم تعد تنظر إلى علاقاتها الخارجية من زاوية الاعتماد على أوروبا وحدها، بل بنت خلال السنوات الماضية شبكة واسعة من الشراكات الاقتصادية والسياسية والأمنية في إفريقيا والعالم العربي وأمريكا وأوروبا.
كما أصبح المغرب فاعلاً أساسياً في قضايا الأمن والهجرة والطاقة والاستثمار في المنطقة، وتحولت المملكة إلى شريك مطلوب من عدة أطراف دولية.
وبالتالي، فإن العلاقة مع إسبانيا أصبحت بالنسبة إلى الرباط علاقة مصالح متبادلة، وليس علاقة يكون فيها طرف مطالباً دائماً بتقديم التنازلات.
إذا كانت مدريد تحتاج المغرب في الهجرة والأمن، فإن المغرب أيضاً يحتاج إلى شريك إسباني واضح في الاقتصاد والاستثمار والتجارة وحركة الأشخاص، وفي احترام المصالح الوطنية المتبادلة.
سوء الفهم يبدأ عندما تتعدد الرسائل الإسبانية
المشكلة التي تحتاج إلى معالجة ليست في وجود خلافات بين البلدين، فهذا أمر طبيعي بين دولتين جارتين، وإنما في أن تصل أحياناً رسائل متناقضة من الجانب الإسباني.
فمدريد تؤكد من جهة أن علاقتها مع الرباط استراتيجية وممتازة، وتثمن التعاون المغربي في الهجرة والأمن، لكنها في المقابل تشهد داخلياً مواقف سياسية وإعلامية متناقضة حول المغرب، وتظهر بين فترة وأخرى مطالب أو مواقف من شأنها إعادة فتح ملفات حساسة.
كما أن عودة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر في يوليوز 2026، في إطار تعزيز التعاون في مجال الطاقة، جاءت في وقت حساس بالنسبة للعلاقة المغربية الإسبانية، خصوصاً أن الجزائر كانت طرفاً رئيسياً في الأزمة التي نشأت بعد التحول الإسباني بشأن الصحراء المغربية سنة 2022.
ومن الطبيعي أن تراقب الرباط هذه التحركات بدقة.
فإسبانيا لها الحق في تطوير علاقاتها مع الجزائر، كما أن المغرب لا يطلب منها قطع علاقاتها مع أي دولة، لكن الشراكة الاستراتيجية تحتاج إلى وضوح، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات ترتبط مباشرة بالأمن الإقليمي والمصالح المغربية.
رجل هنا ورجل هناك.. سياسة لا تبني الثقة
المغرب لا يريد من إسبانيا أن تختار بينه وبين الجزائر، ولا يريد منها الدخول في محاور مغاربية مغلقة، وإنما يريد فقط أن تكون سياستها الخارجية واضحة ومتناسقة.
لا يمكن أن تكون الرباط شريكاً استراتيجياً عندما يتعلق الأمر بالأمن والهجرة، ثم تتحول إلى طرف محل شك عندما يتعلق الأمر بحسابات سياسية أخرى.
ولا يمكن أن يطلب من المغرب تقديم أعلى مستويات التعاون في حماية الحدود، بينما يجري التعامل مع بعض الملفات ذات الحساسية بالنسبة إليه بمنطق مختلف.
هذه ليست دعوة إلى القطيعة، وإنما دعوة إلى الوضوح.
فالسياسة التي تضع رجلاً هنا ورجلاً هناك قد تمنح صاحبها هامش مناورة مؤقتاً، لكنها على المدى الطويل تضعف الثقة بين الشركاء.
سبتة.. ليست مجرد نقطة على خريطة الهجرة
لا يمكن الحديث عن سبتة من دون الاعتراف بحساسيتها الخاصة في العلاقات المغربية الإسبانية.
فالمدينة توجد جغرافياً في شمال إفريقيا، وترتبط حدودياً بالمغرب، بينما تشكل في الوقت نفسه جزءاً من المجال السياسي الإسباني والأوروبي.
وهذه الخصوصية تجعل كل أزمة فيها قابلة للتحول بسرعة من ملف محلي إلى قضية ثنائية ثم إلى قضية أوروبية.
ولهذا فإن الحكمة السياسية تقتضي ألا تتحول كل موجة هجرة إلى أزمة دبلوماسية بين الرباط ومدريد.
بل يجب أن تكون هناك آليات دائمة للتنسيق تمنع سوء الفهم، وتسمح للطرفين بالتعامل مع الأزمات بسرعة وهدوء، بعيداً عن الاتهامات الإعلامية والتأويلات السياسية.
المغرب لم يرد بانفعال.. وهذه نقطة قوة
وسط كل ما حدث، حافظ المغرب على قدر كبير من الهدوء في خطابه الرسمي، وهو أمر ينسجم مع طبيعة الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة.
فجلالة الملك محمد السادس لم يجعل السياسة الخارجية للمملكة رهينة للانفعال، ولم تتحول الأزمات إلى سجالات إعلامية متواصلة، وإنما ظل منطق الرباط يقوم على تقييم الأحداث وانتظار الوقت المناسب والتحرك عندما تكون الخطوة أكثر فاعلية.
وهذه إحدى نقاط القوة التي يجب أن تفهمها مدريد جيداً.
فالهدوء لا يعني غياب الموقف، وعدم رفع سقف الخطاب لا يعني التنازل عن المصالح.
المغرب يراقب، يحلل، يتواصل، ويتحرك عندما يرى أن الوقت مناسب.
أزمة سبتة كشفت أن أوروبا نفسها تحتاج إلى المغرب
المفارقة الكبرى في أزمة سبتة أن الاتحاد الأوروبي وجد نفسه مرة أخرى أمام حقيقة جغرافية وسياسية واضحة: لا يمكنه إدارة ملف الهجرة في غرب المتوسط من دون تعاون المغرب.
فحتى الاتحاد الأوروبي عاد خلال الأزمة إلى التأكيد على أهمية تعزيز التعاون مع الرباط في حماية الحدود ومواجهة الهجرة غير النظامية.
وهذا يعني أن موقع المغرب في المعادلة الأوروبية لم يعد هامشياً.
المملكة ليست فقط دولة عبور، وإنما أصبحت شريكاً أساسياً في إدارة عدد من الملفات التي تمس الأمن الأوروبي مباشرة.
لكن هذه الأهمية ينبغي أن تتحول إلى شراكة أكثر توازناً، لا إلى ضغط أكبر على المغرب.
المطلوب صفحة جديدة.. ولكن بشروط جديدة
المرحلة المقبلة تحتاج إلى إعادة ضبط العلاقة المغربية الإسبانية على قاعدة واضحة: التعاون في الملفات المشتركة، والاختلاف عندما توجد اختلافات، لكن دون غموض أو رسائل مزدوجة.
يحتاج البلدان إلى آليات دائمة للتعامل مع الهجرة، وإلى تنسيق أكبر بشأن سبتة ومليلية، وإلى مواصلة التعاون الأمني، وإلى توسيع العلاقات الاقتصادية، وإلى حماية مصالح الجالية المغربية في إسبانيا، وإلى فتح قنوات سياسية تمنع سوء الفهم قبل أن يتحول إلى أزمة.
كما تحتاج مدريد إلى إدراك أن المغرب لم يعد يقبل أن تختزل علاقته بأوروبا في الهجرة.
المغرب يريد الاستثمار، والتجارة، والطاقة، والصناعة، والتكنولوجيا، والسياحة، والتعاون الثقافي، ويريد في الوقت نفسه احتراماً متبادلاً لمواقفه ومصالحه.
المغرب يريد شراكة حقيقية لا علاقة ظرفية
لقد كشفت أزمة سبتة أن العلاقات المغربية الإسبانية قوية، لكنها ليست محصنة ضد الأزمات، وأن التعاون الأمني والهجرة يمكن أن يكونا جسراً بين البلدين، لكنهما قد يتحولان أيضاً إلى مصدر توتر إذا غابت الثقة والوضوح.
والدرس الأهم بالنسبة إلى مدريد هو أن المغرب لم يعد مجرد دولة مطالبة بإغلاق حدوده الجنوبية أمام المهاجرين، وإنما أصبح قوة إقليمية صاعدة وشريكاً استراتيجياً لا يمكن التعامل معه بمنطق الوظيفة الأمنية فقط.
أما الرباط، فقد أثبتت مرة أخرى أن بإمكانها الحفاظ على الهدوء حتى في أصعب الظروف، وأنها لا تحتاج إلى التصعيد الإعلامي لكي تؤكد مواقفها.
وإذا كان البلدان يريدان فعلاً الحفاظ على الصفحة التي فتحت منذ سنة 2022، فإن المطلوب اليوم هو الانتقال بها إلى مستوى أكثر نضجاً، يقوم على الوضوح والندية والمصالح المتبادلة.
فالمغرب لا يريد أزمة مع إسبانيا، ولا يريد إغلاق أبواب التعاون، ولا يريد أن تتحول سبتة إلى عنوان دائم للتوتر.
لكنه يريد أيضاً أن تفهم مدريد أن الشراكة الاستراتيجية ليست أن يطلب طرف من الآخر أن يحمي حدوده ومصالحه، ثم يترك له في المقابل مساحة واسعة من الغموض السياسي.
المعادلة الجديدة بسيطة: المغرب يتعاون، لكنه ليس دركياً لأوروبا؛ يفتح أبوابه للشراكة، لكنه لا يقبل الوصاية؛ يختار الهدوء، لكنه لا يتنازل عن مصالحه؛ ويريد إسبانيا شريكاً واضحاً، لا طرفاً يضع رجلاً في الرباط وأخرى في حسابات مختلفة.
وإذا نجحت مدريد والرباط في استيعاب دروس أزمة سبتة، فقد تتحول الأزمة الحالية، رغم خطورتها، إلى فرصة لإعادة بناء الثقة على أسس أكثر صلابة.
أما إذا عاد الطرفان بعد انتهاء موجة الهجرة إلى ترك الملفات الحساسة معلقة، فإن الأزمة ستعود بأشكال مختلفة، لأن ما يحتاج إلى الحل ليس فقط حركة الأشخاص عبر الحدود، وإنما سوء الفهم السياسي الذي يجعل كل أزمة صغيرة قابلة للتحول إلى أزمة أكبر بين جارين تجمعهما الجغرافيا والمصالح والتاريخ.






