زلزال دبلوماسي في أمريكا اللاتينية.. كولومبيا تعترف بسيادة المغرب على الصحراء وتفتح صفحة جديدة مع الرباط

بوريطة ممثلاً لجلالة الملك في تنصيب الرئيس الجديد.. وبعد ساعات قرار تاريخي يقلب صفحة البوليساريو في بوغوتا
في تطور دبلوماسي بالغ الأهمية، أعلنت كولومبيا رسمياً اعترافها بسيادة المملكة المغربية على الصحراء، في تحول نوعي يعيد ترتيب موقف بوغوتا من هذا الملف، ويشكل ضربة سياسية قوية لجبهة البوليساريو، كما يفتح في المقابل صفحة جديدة في العلاقات المغربية–الكولومبية.
وجاء الإعلان في توقيت شديد الدلالة، إذ صدر بعد ساعات قليلة من مراسم تنصيب الرئيس الكولومبي الجديد أبيلاردو دي لا إسبرييّا، وبعد الحضور المغربي رفيع المستوى في هذه المناسبة، ممثلاً في وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، الذي حضر بتعليمات ملكية سامية ممثلاً لصاحب الجلالة الملك محمد السادس في مراسم تنصيب الرئيس الجديد بمدينة كالي يوم 7 غشت الجاري.
وهكذا لم يكن التحول الكولومبي معزولاً عن سياق دبلوماسي أوسع، بل جاء في لحظة سياسية جديدة اختارت فيها بوغوتا إعادة النظر في عدد من توجهات المرحلة السابقة، وفي مقدمتها الموقف من قضية الصحراء.
وأكدت الخارجية الكولومبية أن الحكومة الجديدة اعترفت بسيادة المغرب على الصحراء، مشيرة إلى أن القرار يروم إعادة تنشيط العلاقات مع المملكة المغربية على أساس رؤية طويلة المدى، وبما يخدم مصالح الشعب الكولومبي.
من الاعتراف بالبوليساريو إلى الاعتراف بسيادة المغرب
تكمن أهمية القرار الكولومبي في كونه لا يتعلق بدولة كانت محايدة في الملف، وإنما بدولة كانت قد اتخذت خلال عهد الرئيس السابق غوستافو بيترو موقفاً مختلفاً تماماً.
ففي غشت 2022، أعادت حكومة بيترو العلاقات الدبلوماسية مع ما يسمى «الجمهورية الصحراوية»، في خطوة مثلت آنذاك تحولاً في السياسة الخارجية الكولومبية تجاه النزاع المفتعل حول الصحراء.
وبوصول الرئيس الجديد إلى السلطة، انقلب المشهد.
فالحكومة الجديدة لم تكتفِ بإعادة تقييم العلاقة مع الرباط، بل أعلنت صراحةً الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، لتضع بذلك حداً للمرحلة التي اتسمت بالتقارب السياسي بين بوغوتا والبوليساريو.
وهذا ما يجعل القرار واحداً من أبرز التطورات الدبلوماسية التي شهدها ملف الصحراء خلال سنة 2026، بالنظر إلى وزن كولومبيا داخل أمريكا اللاتينية وموقعها السياسي والاقتصادي في القارة.
بوريطة في كالي.. والرسالة الملكية تصل في التوقيت المناسب
ولعل أكثر ما يمنح هذا التطور دلالة سياسية خاصة هو تزامنه المباشر مع الحضور المغربي في حفل تنصيب الرئيس الجديد.
فبتعليمات من صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حل وزير الخارجية ناصر بوريطة بمدينة كالي لتمثيل جلالة الملك في مراسم تنصيب الرئيس أبيلاردو دي لا إسبرييّا.
وكانت هذه المشاركة بمثابة رسالة واضحة من الرباط إلى القيادة الكولومبية الجديدة: المغرب يريد بناء علاقة جديدة، مباشرة وقوية، مع الدولة الكولومبية، قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والرؤية المستقبلية.
ولم تمر سوى ساعات على مراسم التنصيب حتى أعلنت بوغوتا موقفها الجديد من قضية الصحراء.
وهنا تبرز براعة الدبلوماسية المغربية في قراءة التحولات السياسية واستثمار اللحظات المناسبة لفتح قنوات جديدة مع الحكومات الصاعدة.
فالمغرب لم ينتظر انتهاء المرحلة الانتقالية، ولم يكتفِ بمراقبة ما يجري من بعيد، وإنما كان حاضراً منذ اللحظة الأولى، وعلى أعلى مستوى، عبر مبعوث ملكي حمل رسالة سياسية ودبلوماسية واضحة.
قرار يعيد رسم العلاقات المغربية–الكولومبية
لم تخف الخارجية الكولومبية أن القرار الجديد يرتبط برغبة في إحياء العلاقات مع المغرب وإعطائها نفساً استراتيجياً طويل المدى.
وهذا يعني أن القضية لا تتوقف عند موقف من الصحراء، وإنما تفتح الباب أمام إعادة بناء شاملة للعلاقات الثنائية.
فالمغرب ينظر إلى كولومبيا باعتبارها دولة محورية في أمريكا اللاتينية، بينما تنظر بوغوتا إلى المملكة باعتبارها بوابة مهمة نحو إفريقيا والعالم العربي، وشريكاً يمكن أن يوفر إمكانات جديدة في مجالات التجارة والاستثمار والفلاحة والطاقة والأمن والسياحة.
وبذلك فإن الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء يمكن أن يشكل أساساً سياسياً جديداً لعلاقة اقتصادية واستراتيجية أوسع.
وهذه نقطة مهمة في فهم التحول الكولومبي: فالدبلوماسية المغربية لم تعد تتعامل مع قضية الصحراء باعتبارها ملفاً منفصلاً عن باقي المصالح الوطنية، وإنما ضمن منظومة متكاملة تقوم على توسيع الشراكات، وفتح الأسواق، وتعزيز الحضور الاقتصادي، وربط المواقف السياسية بمشاريع التعاون.
لماذا كولومبيا تحديداً؟
لأن بوغوتا ليست عاصمة عادية في الحسابات الجيوسياسية لأمريكا اللاتينية.
كولومبيا من الدول ذات الثقل السكاني والاقتصادي والسياسي في القارة، ولها علاقات واسعة مع الولايات المتحدة ودول أمريكا اللاتينية، كما تتمتع بحضور مؤثر داخل المؤسسات الدولية والإقليمية.
ولهذا فإن انتقالها من موقف مؤيد للبوليساريو إلى الاعتراف بسيادة المغرب يحمل قيمة تتجاوز الحدود الثنائية.
إنه اختراق مغربي في فضاء جغرافي كانت البوليساريو تعتبره لسنوات طويلة من أهم مناطق نفوذها السياسي.
والأهم أن القرار صدر عن حكومة جديدة اختارت منذ الساعات الأولى لتوليها السلطة إعادة تحديد أولويات سياستها الخارجية.
صفحة بيترو تُطوى
كان الرئيس السابق غوستافو بيترو قد اتخذ في 2022 قراراً بإعادة العلاقات مع البوليساريو، وهو ما تسبب في توتر واضح مع الرباط.
ومنذ ذلك الوقت، ظلت بوغوتا واحدة من العواصم التي تمنح الجبهة الانفصالية مساحة سياسية ودبلوماسية في أمريكا اللاتينية.
لكن الانتخابات الأخيرة غيرت قواعد اللعبة.
ومع وصول أبيلاردو دي لا إسبرييّا إلى الرئاسة، دخلت كولومبيا مرحلة سياسية جديدة، انعكست سريعاً على علاقاتها الخارجية.
وقد ظهر هذا التحول في مجموعة من الملفات، قبل أن يصل إلى قضية الصحراء، حيث اختارت الحكومة الجديدة اتخاذ قرار واضح لا لبس فيه: الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء.
وهكذا أغلقت بوغوتا عملياً صفحة السياسة التي طبعت عهد بيترو، وفتحت صفحة جديدة عنوانها التقارب مع الرباط.
البوليساريو أمام خسارة سياسية جديدة
لم يتأخر رد فعل جبهة البوليساريو.
فقد سارعت إلى التنديد بالقرار الكولومبي واعتبرته «صفقة» أو «مقايضة»، في محاولة للتقليل من قيمته السياسية.
لكن لغة الاحتجاج نفسها تكشف حجم الصدمة التي أحدثها القرار.
فالجبهة التي كانت تتعامل مع كولومبيا خلال السنوات الأخيرة باعتبارها حليفاً سياسياً في أمريكا اللاتينية، وجدت نفسها أمام حكومة جديدة لا تكتفي بتجميد ذلك المسار، بل تنتقل إلى موقف معاكس تماماً.
وكالة EFE الإسبانية نقلت أن البوليساريو أدانت قرار الحكومة الكولومبية الجديدة الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء.
وبذلك تكون الجبهة قد خسرت خلال فترة زمنية قصيرة إحدى أهم أوراقها السياسية في القارة اللاتينية.
الاعتراف الكولومبي.. ليس مجرد بيان
من الخطأ قراءة القرار باعتباره مجرد تغيير في صياغة دبلوماسية.
فالاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء يمثل انتقالاً من موقف سياسي إلى اختيار دبلوماسي واضح.
وهو أيضاً تطور يأتي في سياق دولي أوسع شهد خلال السنوات الأخيرة تزايد عدد الدول التي اختارت دعم المقترح المغربي للحكم الذاتي، أو إعادة النظر في علاقاتها مع البوليساريو.
والأهم أن الرباط استطاعت تحويل قضية الصحراء من ملف إقليمي محدود إلى قضية تحظى بحضور متزايد داخل دوائر القرار في أوروبا وإفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية.
والقرار الكولومبي يدخل في هذا المسار.
المغرب يربح جولة جديدة في أمريكا اللاتينية
بالنسبة للمغرب، فإن أهمية هذا التطور لا تكمن فقط في كسب موقف كولومبيا، وإنما في تغيير اتجاه الرياح السياسية داخل واحدة من أهم مناطق العالم.
فأمريكا اللاتينية كانت لسنوات مجالاً نشطاً للتحرك الدبلوماسي للبوليساريو والجزائر، واستثمرت الجبهة علاقاتها التاريخية مع عدد من الحكومات اليسارية للحصول على اعترافات ومواقف داعمة.
غير أن السنوات الأخيرة حملت تحولاً تدريجياً.
ومع القرار الكولومبي الجديد، تتلقى هذه الاستراتيجية ضربة إضافية، خصوصاً أن الأمر يتعلق بدولة كبيرة وذات تأثير سياسي واضح.
إنها ليست مجرد خسارة «اعتراف» بالنسبة للبوليساريو، وإنما خسارة موقع سياسي مهم داخل القارة اللاتينية.
من الصحراء إلى شراكة استراتيجية
المرحلة المقبلة بين الرباط وبوغوتا قد تكون أكثر أهمية من القرار نفسه.
فالاعتراف المغربي بالصحراء يمكن أن يصبح نقطة انطلاق نحو بناء شراكة متعددة المستويات.
وتوجد مجالات واسعة يمكن أن تستفيد منها العلاقات الثنائية، من قبيل:
- التجارة والاستثمار.
- الفلاحة والصناعات الغذائية.
- الطاقات المتجددة.
- السياحة.
- الأمن ومكافحة الجريمة المنظمة.
- التعليم والتكوين.
- التعاون جنوب–جنوب.
- الربط بين أمريكا اللاتينية وإفريقيا.
- تطوير المبادلات الاقتصادية والاستثمارية.
كما أن المغرب، بحكم موقعه الجغرافي وشبكة علاقاته الإفريقية والأوروبية، يمكن أن يشكل منصة اقتصادية مهمة للشركات الكولومبية الراغبة في الوصول إلى الأسواق الإفريقية.
وفي المقابل، تستطيع كولومبيا أن تشكل بالنسبة إلى المغرب بوابة أوسع نحو أسواق أمريكا اللاتينية.
وهنا تصبح قضية الصحراء جزءاً من هندسة استراتيجية جديدة للعلاقات الثنائية، وليس مجرد ملف دبلوماسي منفصل.
وماذا عن مهلة الـ48 ساعة؟
في خضم انتشار أخبار عن إقدام السلطات الكولومبية على مطالبة ممثلي البوليساريو بمغادرة البلاد خلال مهلة قصيرة تصل إلى 48 ساعة، تقتضي المهنية التمييز بين ما هو مؤكد رسمياً وما هو متداول.
فالقرار المؤكد والموثق حتى الآن هو اعتراف الحكومة الكولومبية الجديدة بسيادة المغرب على الصحراء وإنهاء المسار الذي كانت قد اتبعته حكومة بيترو تجاه البوليساريو، وهو ما أكدته الخارجية الكولومبية ونقلته وكالات دولية.
أما تفاصيل الإجراءات الإدارية أو الدبلوماسية المتعلقة بوضع ممثلي البوليساريو داخل كولومبيا، بما فيها مهلة الـ48 ساعة، فتحتاج إلى بلاغ رسمي واضح من السلطات الكولومبية حتى يمكن تقديمها كواقعة ثابتة.
لكن حتى من دون هذا التفصيل، فإن جوهر التطور لا يحتاج إلى مبالغة: بوغوتا غيرت موقفها رسمياً، واعترفت بسيادة المغرب على الصحراء.
الدبلوماسية الملكية.. حضور في اللحظة الحاسمة
ما حدث في كولومبيا يقدم مرة أخرى مثالاً على أهمية الحضور الملكي المباشر في السياسة الخارجية المغربية.
فوجود ناصر بوريطة، ممثلاً لجلالة الملك، في مراسم تنصيب الرئيس الجديد لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً.
لقد جاء في لحظة انتقال سياسي حاسمة، وفي عاصمة كانت تستعد لبدء مرحلة جديدة.
وبعد ساعات فقط، صدر القرار الذي أعاد رسم موقف كولومبيا من قضية الصحراء.
ومن هنا يمكن فهم الحضور المغربي في كالي باعتباره جزءاً من دبلوماسية استباقية لا تنتظر الأحداث وإنما تتحرك لصناعة الشراكات مع مراكز القرار الجديدة.
إنها دبلوماسية تقوم على بناء الثقة أولاً، ثم تحويلها إلى اتفاقات وشراكات ومواقف سياسية.
المغرب أمام مكسب استراتيجي جديد
القرار الكولومبي ليس نهاية المعركة الدبلوماسية، لكنه بالتأكيد محطة مهمة فيها.
فالمغرب لم يحصل فقط على تغيير موقف دولة من قضية الصحراء، بل حصل على فرصة لإعادة بناء علاقة كاملة مع دولة وازنة في أمريكا اللاتينية، بعد سنوات من التوتر السياسي.
ومن هنا فإن التحدي المقبل بالنسبة للرباط وبوغوتا هو تحويل هذا التقارب السياسي إلى شراكة استراتيجية ملموسة.
فالاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء يجب أن يفتح الباب أمام مزيد من الاستثمارات والتبادل التجاري والتعاون الاقتصادي والثقافي، بما يجعل العلاقة الجديدة ذات مصالح مشتركة عميقة يصعب التراجع عنها.
وهكذا، فإن ما بدأ بقرار دبلوماسي في بوغوتا قد يتحول إلى تحول أكبر في الخريطة الاقتصادية والسياسية للعلاقات بين المغرب وأمريكا اللاتينية.
الرباط تنتصر بالهدوء والتراكم
في النهاية، تكشف واقعة كولومبيا أن المعركة الدبلوماسية حول الصحراء لا تُحسم بالضجيج، وإنما بالتراكم وبناء التحالفات والصبر الاستراتيجي والحضور في اللحظة المناسبة.
فبعد سنوات من محاولة البوليساريو تثبيت حضورها في أمريكا اللاتينية، جاءت حكومة كولومبية جديدة لتعلن بوضوح اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء.
والأكثر دلالة أن هذا الإعلان جاء مباشرة بعد حضور ممثل جلالة الملك، وزير الخارجية ناصر بوريطة، مراسم تنصيب الرئيس الجديد.
إنها صورة تختصر الكثير: المغرب كان حاضراً في لحظة ميلاد المرحلة الجديدة، وكولومبيا اختارت أن تبدأ هذه المرحلة من بوابة الرباط.
وبذلك تدخل العلاقات المغربية–الكولومبية مرحلة جديدة، عنوانها الاعتراف المتبادل بالمصالح، والانفتاح الاقتصادي، والتعاون جنوب–جنوب، والتنسيق السياسي، فيما تجد البوليساريو نفسها أمام خسارة جديدة في واحدة من أهم ساحاتها التقليدية.
والرسالة الأبرز من بوغوتا واضحة: خريطة المواقف الدولية من الصحراء تتغير، والمغرب يواصل توسيع دائرة دعمه الدولي خطوة بعد أخرى.






