البنك الدولي يضع الاقتصاد المغربي تحت المجهر: فجوة بين التشريعات الرائدة والكفاءة التشغيلية

كشف تقرير حديث للبنك الدولي حول جاهزية الاقتصاد المغربي لممارسة الأعمال عن تباين لافت بين ترسانة قانونية متقدمة وكفاءة تشغيلية ما زالت تواجه تحديات، ما يعكس وجود فجوة بين السياسات والإجراءات الرسمية وبين واقع التنفيذ على الأرض.
مؤشرات الأداء: تقدم تشريعي وإداري مقابل قصور تشغيلي
وصنف التقرير المغرب ضمن 101 اقتصاد دولي، حيث حصل على 70.06 نقطة في ركيزة الإطار التنظيمي، متفوقاً على المتوسط العالمي البالغ 66.32، فيما سجل في ركيزة الخدمات العامة 64.55 نقطة مقابل متوسط عالمي 53.97، وهو ما يظهر قوة النظام القانوني وقدرة المؤسسات على تقديم الخدمات.
لكن الفجوة الحقيقية تكمن في الكفاءة التشغيلية، حيث حصل المغرب على 55.71 نقطة، وهو أقل من المتوسط العالمي البالغ 60.03، ما يضعه في الشريحة الخمسية الرابعة، مشيراً إلى ضعف التطبيق العملي للإجراءات على أرض الواقع، رغم جودة التشريعات.
أسباب الفجوة وفق الخبراء
يرى الخبير الاقتصادي رشيد ساري أن التقدم التشريعي يعود إلى تبسيط المساطر الإدارية بنسبة 45%، إلى جانب إعادة هيكلة المجالس الجهوية للاستثمار وتحديث عمليات إنشاء المقاولات ومواكبتها.
مع ذلك، يشدد ساري على أن ندرة الكفاءات البشرية المؤهلة تمثل عائقاً كبيراً، مع تركيز الطاقات في أقطاب كبرى مثل الدار البيضاء والرباط، ما يحد من قدرة المدن الصاعدة مثل الداخلة وأصيلة على استقطاب الاستثمارات الأجنبية بسبب غياب مراكز تكوين متخصصة.
تحولات رقمية وهيكلية واعدة
يسجل التقرير أداءً متميزاً على صعيد التحول الرقمي، ويعزز ساري هذا الرأي بالإشارة إلى استراتيجية “المغرب الرقمي 2030″، حيث أصبحت موانئ كطنجة المتوسط من بين أفضل 20 ميناء عالمياً بفضل الاعتماد على الأنظمة الرقمية والخدمات اللوجستية الحديثة.
كما يشير الخبير إلى الإصلاحات الهيكلية في المؤسسات العمومية والنظام الجبائي، بما في ذلك القانون الإطار رقم 69-19، الذي ساهم في تحسين مناخ الأعمال وتشجيع تنويع الأنشطة الاقتصادية.
عوائق إضافية: التوزيع الجغرافي واللغوي
تتجاوز التحديات الجانب البشري إلى العامل المجالي، حيث يبرز التفاوت في توزيع الكفاءات بين المدن الكبرى والمناطق الأقل تطوراً، بالإضافة إلى الحاجز اللغوي، حيث يقتصر التعامل الإداري والاقتصادي غالباً على العربية والفرنسية، ما يضع العراقيل أمام المستثمرين الأجانب الذين تعتمد أعمالهم على اللغة الإنجليزية.
يخلص الخبير الاقتصادي إلى أن المغرب قد حقق نجاحات ملموسة على مستوى التشريعات وتبسيط الإجراءات، لكنه يواجه الرهان الأكبر في تحويل هذه النصوص إلى أدوات تنموية فعلية عبر:
-
توسيع قاعدة الكفاءات البشرية المؤهلة.
-
تنويع اللغات في التكوين المهني والأعمال.
-
تطوير البنية التشغيلية في المدن الصاعدة للاستفادة من الفرص الاستثمارية.
ويشير التقرير إلى أن المغرب أمام مرحلة حاسمة من أجل تحويل تحسن التشريعات والخدمات العامة إلى جذب فعلي للاستثمارات وتنمية متوازنة جهوياً، لضمان أن يكون الاقتصاد المغربي منافساً على المستوى العالمي وليس فقط على الورق.






