ثقافة

رسوم الدكتوراه تعود إلى الواجهة.. مخاوف من تعميم الأداء على الجامعات المغربية رغم الأحكام القضائية

عاد ملف رسوم التسجيل وإعادة التسجيل الخاصة بطلبة الدكتوراه الموظفين والأجراء إلى واجهة الجدل داخل الأوساط الجامعية المغربية، في تطور جديد أعاد إشعال النقاش حول مستقبل مجانية التعليم العالي ومدى قانونية فرض رسوم مالية على فئة من الباحثين الذين التحقوا بسلك الدكتوراه في ظل نظام لم يكن يشترط الأداء.

ويأتي هذا المستجد في وقت ما تزال فيه المواجهة القانونية مستمرة بين عدد من طلبة الدكتوراه والجامعات المغربية، بعدما تحولت القضية خلال الأشهر الماضية إلى واحد من أكثر الملفات إثارة للنقاش داخل الجامعة المغربية، خاصة بعد صدور أحكام قضائية اعتبرها الطلبة انتصاراً لموقفهم الرافض لفرض الرسوم.

وتشير المعطيات المتداولة داخل الأوساط الجامعية إلى أن الجدل لم يعد مقتصراً على الأفواج التي التحقت بالتكوينات الجديدة الخاصة بالموظفين والأجراء في إطار نظام “التوقيت الميسر”، بل امتد ليشمل طلبة سبق لهم التسجيل في سلك الدكتوراه قبل اعتماد هذا النظام وقبل بروز الخلاف القانوني حول الرسوم، الأمر الذي أثار موجة من القلق والتخوف من إمكانية توسيع نطاق الأداء ليشمل مختلف الأفواج المسجلة بمؤسسات التعليم العالي.

وأصبح الملف اليوم مطروحاً بقوة داخل عدد من الجامعات المغربية، من بينها جامعة عبد المالك السعدي بتطوان، وجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، وجامعة ابن زهر بأكادير، وجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، وجامعة محمد الخامس بالرباط، وجامعة القاضي عياض بمراكش، وجامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال، وغيرها من المؤسسات الجامعية التي تتابع باهتمام كبير مآلات هذا النقاش وما قد يترتب عنه من قرارات أو توجهات جديدة على المستوى الوطني.

ويخشى عدد من الباحثين أن يتحول فرض الرسوم على طلبة الدكتوراه الموظفين والأجراء إلى خيار معمم داخل منظومة التعليم العالي، بما يعني انتقال الجامعة المغربية من مرحلة مجانية التكوين في سلك الدكتوراه إلى مرحلة جديدة تقوم على الأداء بالنسبة لفئات معينة من الطلبة، وهو ما يعتبره المحتجون مساساً بمبدأ تكافؤ الفرص وضرباً لأحد المرتكزات الأساسية التي قامت عليها الجامعة العمومية.

وتزداد حدة الجدل بالنظر إلى أن العديد من الطلبة التحقوا بسلك الدكتوراه بعد اجتياز مباريات الولوج وفق شروط قانونية وإدارية واضحة لم تكن تتضمن أي التزام مالي يتعلق برسوم التسجيل أو إعادة التسجيل. لذلك يعتبر هؤلاء أن إخضاعهم حالياً للأداء يطرح إشكالاً قانونياً وأخلاقياً يرتبط بما يشبه التطبيق بأثر رجعي لقرارات جديدة لم تكن قائمة عند التحاقهم بالتكوين.

وفي خضم هذا السجال، عبر العديد من طلبة الدكتوراه الموظفين والأجراء عن رفضهم القاطع لأي محاولة لفرض رسوم إضافية خلال مسارهم الأكاديمي، مؤكدين أن انشغالهم الأساسي يجب أن يظل منصباً على البحث العلمي وإنجاز الأطروحات، بدل الانخراط في معارك إدارية وقضائية تستنزف الوقت والجهد.

ويؤكد عدد من الباحثين أن الأزمة تجاوزت بعدها المالي لتتحول إلى نقاش أوسع حول مكانة البحث العلمي داخل السياسات العمومية، خاصة أن المغرب يراهن خلال السنوات الأخيرة على تعزيز الابتكار والرفع من جودة التكوين الجامعي وربط الجامعة بأوراش التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

كما يرى متابعون أن استمرار الجدل يهدد بإرباك السير العادي للتكوينات الدكتورالية داخل عدد من المؤسسات الجامعية، خصوصاً مع اقتراب انطلاق الموسم الجامعي الجديد، في ظل حالة من عدم اليقين بشأن مصير الرسوم والإجراءات المرتبطة بها.

ويستند الطلبة المحتجون إلى الأحكام القضائية الصادرة خلال الفترة الأخيرة، والتي شكلت محطة بارزة في هذا الملف. فقد سبق للمحكمة الإدارية أن أصدرت حكماً بإيقاف تنفيذ قرار فرض الرسوم على طلبة الدكتوراه الموظفين والأجراء، قبل أن يصدر حكم آخر عن المحكمة الإدارية بطنجة لفائدة عشرات الطلبة الباحثين، وهو ما اعتبرته التنسيقيات الممثلة لهم تأكيداً على مشروعية مطالبهم وعلى ضرورة احترام مبدأ الولوج العادل إلى التكوين الجامعي.

في المقابل، تدافع بعض الجهات عن خيار إحداث تكوينات مهنية أو ميسرة لفائدة الموظفين والأجراء باعتبارها تستجيب لحاجيات فئة واسعة من الراغبين في مواصلة الدراسة بالتوازي مع التزاماتهم المهنية، غير أن النقاش يبقى قائماً حول حدود هذا التوجه وكيفية تنزيله دون المساس بحقوق الطلبة أو خلق تمييز بين فئات الباحثين داخل الجامعة نفسها.

ويرى مراقبون أن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار مطالبة اليوم بتقديم رؤية واضحة وحاسمة بشأن هذا الملف الذي بات يثير قلق آلاف الطلبة عبر مختلف الجامعات المغربية، خاصة في ظل تضارب التأويلات القانونية واستمرار اللجوء إلى القضاء لحسم النزاعات المرتبطة به.

ومع اقتراب موعد فتح باب التسجيل وإعادة التسجيل برسم الموسم الجامعي 2026-2027، تبدو أزمة رسوم الدكتوراه مرشحة لمزيد من التصعيد، في انتظار صدور توضيحات رسمية ومواقف مؤسساتية قادرة على إنهاء حالة الجدل وإعادة التركيز على الرهان الحقيقي، المتمثل في دعم البحث العلمي وتوفير الظروف الملائمة للباحثين من أجل الإسهام في إنتاج المعرفة وخدمة التنمية الوطنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى