أوزين يقرع جرس الإنذار قبل انتخابات 2026.. هل دخل المغرب مرحلة “أزمة الثقة السياسية”؟

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، بدأت الأحزاب السياسية المغربية في إعادة ترتيب أوراقها واستشراف ملامح المرحلة المقبلة، في وقت تتزايد فيه المؤشرات الدالة على تنامي حالة التردد والعزوف لدى جزء من الناخبين. وفي هذا السياق، اختار محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، أن يضع إصبعه على ما يعتبره جوهر الإشكال السياسي القائم، معتبراً أن الرهان الحقيقي لم يعد مرتبطاً بمن سيفوز بالمقاعد أو يتصدر نتائج الاقتراع، بل بكيفية استعادة الثقة المفقودة بين المواطن والفاعل السياسي.
تصريحات أوزين، التي جاءت خلال حلوله ضيفاً على مؤسسة الفقيه التطواني ضمن برنامج “في حضرة السؤال”، تعكس في العمق نقاشاً يتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة نحو سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الممارسة السياسية بالمغرب ومدى قدرة الأحزاب على استعادة أدوارها التأطيرية والوسيطية داخل المجتمع.
ففي السنوات الأخيرة، شهد المغرب تحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة رافقتها تحديات معيشية غير مسبوقة. فقد ساهمت موجات التضخم العالمية والجفاف المتكرر وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأساسية في الضغط على القدرة الشرائية للأسر المغربية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على المزاج العام للمواطنين. ورغم إطلاق عدد من الأوراش الاجتماعية الكبرى، وعلى رأسها تعميم الحماية الاجتماعية والدعم المباشر للأسر، فإن جزءاً مهماً من الرأي العام لا يزال ينتظر انعكاس هذه السياسات على حياته اليومية بشكل ملموس.
من هذا المنطلق، يرى أوزين أن الانتخابات المقبلة ستكون بمثابة “اختبار للثقة” أكثر منها منافسة انتخابية تقليدية. فالمغاربة، بحسب تقديره، أصبحوا أكثر وعياً وأقل استعداداً لتصديق الوعود الانتخابية التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ بعد انتهاء الحملات الانتخابية. كما أن الناخب بات يبحث عن خطاب سياسي صريح وواقعي قادر على تقديم حلول عملية لقضايا الشغل والصحة والتعليم والسكن وغلاء المعيشة، بدل الاكتفاء بالشعارات العامة.
ويأتي هذا الطرح في سياق يتسم بتراجع نسب المشاركة السياسية في العديد من الديمقراطيات عبر العالم، حيث أصبحت الثقة في المؤسسات والهيئات الوسيطة عاملاً حاسماً في تحديد مستوى الانخراط السياسي. كما أن المغرب بدوره لم يكن بمنأى عن هذه التحولات، خاصة مع تنامي دور وسائل التواصل الاجتماعي التي غيرت طبيعة العلاقة بين المواطن والسياسي، وأتاحت للناخب فرصة تقييم الأداء العمومي بشكل يومي ومباشر.
ولم يتردد الأمين العام للحركة الشعبية في توجيه انتقادات واضحة للحكومة الحالية، معتبراً أن عدداً من الملفات الاجتماعية والاقتصادية لم يجر تدبيرها بالشكل الذي كان ينتظره المواطنون. واستحضر في هذا الإطار ملف أضاحي العيد الذي تحول خلال الأشهر الماضية إلى موضوع نقاش واسع داخل المجتمع المغربي، بعدما اصطدمت تطمينات المسؤولين بواقع السوق والأسعار، وهو ما اعتبره دليلاً على اتساع الهوة بين الخطاب الرسمي وانتظارات المواطنين.
كما أثار أوزين ملف المحروقات، الذي ما يزال يثير جدلاً سياسياً واقتصادياً متواصلاً منذ سنوات، معتبراً أن رفض الأغلبية البرلمانية لمقترحات تتعلق بتسقيف أسعار المحروقات وإعادة أصول شركة “لاسامير” إلى الدولة يعزز الشعور لدى فئات واسعة من المواطنين بوجود فجوة بين المطالب الاجتماعية والقرارات السياسية. وبغض النظر عن المواقف المتباينة بشأن هذه الملفات، فإن مجرد استمرار الجدل حولها يعكس حجم الضغط الذي يواجهه الفاعل السياسي في ظل مطالب اجتماعية متزايدة.
وفي مقابل انتقاداته للحكومة، حرص أوزين على التأكيد بأن المغرب يواصل مسار الإصلاح والتنمية تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس، مشيراً إلى أن المملكة حققت خلال السنوات الأخيرة مكاسب مهمة على المستويين الإقليمي والدولي، سواء من خلال تعزيز موقعها الدبلوماسي أو إطلاق مشاريع استراتيجية كبرى في مجالات البنية التحتية والاستثمار والطاقات المتجددة.
غير أن المسؤول الحزبي يرى أن هذه الدينامية التنموية تحتاج إلى مواكبة سياسية أكثر قوة وفعالية، محذراً مما وصفه بـ”الاحتباس السياسي”، أي تراجع أدوار الوساطة والتأطير التي يفترض أن تقوم بها الأحزاب والنقابات والإعلام والمجتمع المدني. فكلما ضعفت هذه المؤسسات، اتسعت المسافة بين المواطن ومراكز القرار، وتراجعت قدرة الفاعلين السياسيين على فهم التحولات الاجتماعية ومواكبة انتظارات المواطنين.
وتحمل تصريحات أوزين أيضاً رسائل انتخابية مبكرة، إذ يسعى حزب الحركة الشعبية إلى تقديم نفسه كقوة معارضة مؤسساتية تراهن على القرب من المواطنين وطرح البدائل. ولذلك شدد الأمين العام للحزب على أن الحركة الشعبية مستمرة في تقديم مبادرات تشريعية ومقترحات عملية تهم القضايا الاجتماعية والتنموية، في محاولة لتعزيز حضورها السياسي قبل الاستحقاقات المقبلة.
وفي جانب آخر من مداخلته، أثار أوزين الانتباه عندما تحدث عن الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، معتبراً أنه يمثل كفاءة وطنية يمكن أن تضيف الكثير إلى العمل السياسي الحزبي إذا قرر الانخراط فيه مستقبلاً. ويعكس هذا التصريح إدراك الأحزاب المتزايد لأهمية استقطاب الكفاءات والخبرات التقنية القادرة على مخاطبة المواطنين بلغة الإنجاز والنتائج، خاصة في مرحلة أصبحت فيها الكفاءة معياراً أساسياً لدى جزء كبير من الناخبين.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، يبدو أن الساحة السياسية المغربية تتجه نحو مرحلة جديدة عنوانها الأبرز ليس الصراع حول المقاعد أو التحالفات، بل الصراع حول استعادة ثقة المواطن. فالأحزاب التي ستنجح في تقديم أجوبة مقنعة حول التشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية ومحاربة الفوارق الاجتماعية ستكون الأقرب إلى كسب رهان 2026.
وفي هذا السياق، يمكن اعتبار تصريحات محمد أوزين بمثابة دعوة إلى مراجعة عميقة للممارسة السياسية، ورسالة واضحة مفادها أن زمن الوعود السهلة قد ولى، وأن الناخب المغربي بات أكثر مطالبة بالنتائج وأقل تسامحاً مع الخطابات التي لا تترجم إلى سياسات ملموسة. لذلك، فإن الانتخابات المقبلة قد لا تكون مجرد محطة انتخابية عادية، بل لحظة سياسية فاصلة ستحدد إلى حد كبير شكل العلاقة بين المواطن والمؤسسات خلال السنوات القادمة.






