ثقافة

فاس تحتفي بـ”تاج” السياحة العالمية.. استثمارات ضخمة وتراث يعانق المستقبل في أفق 2030

 في تأكيد جديد على المكانة المتميزة للمملكة المغربية كقوة سياحية وثقافية رائدة، اختارت مجلة “Travel and Tour World” الدولية، المتخصصة في السفر والسياحة، مدينة فاس العريقة ضمن أبرز الوجهات السياحية العالمية لعام 2026. هذا التصنيف الرفيع يضع العاصمة العلمية والروحية للمغرب في صدارة الخيارات للمسافرين حول العالم، واصفاً إياها بـ “الجوهرة الثقافية” للمملكة.

فالمدينة العتيقة لفاس، المدرجة ضمن التراث العالمي لليونسكو، ليست مجرد متحف مفتوح، بل هي أكبر منطقة حضرية خالية من السيارات في العالم، حيث ينغمس الزائر في رحلة عبر العصور بين أزقتها المتشابكة، ومنازلها ورياضاتها المزينة بالزليج والفسيفساء المغربي الأصيل. ولا تزال فاس مركزاً حيوياً للحرف التقليدية التي لم تتغير تقنياتها منذ قرون، وعلى رأسها دباغة الجلود، وصناعات النحاس، والخزف الفاسي الشهير، مما يوفر للزوار تجربة ثقافية أصيلة وعميقة.

استثمارات تاريخية تعيد تشكيل معالم المدينة

لم يأتِ هذا التتويج من فراغ، بل هو اعتراف دولي بالجهود الضخمة التي تبذلها المملكة المغربية للحفاظ على هذا الإرث. فقد استفادت برامج تثمين ورد الاعتبار للمدينة العتيقة لفاس من استثمار إجمالي يناهز 3 مليارات درهم مغربي (حوالي 300 مليون دولار) خلال الفترة الممتدة حتى عام 2025. هذه الأوراش العملاقة لم تقتصر على ترميم المآثر التاريخية فحسب، بل شملت معالجة ما يزيد عن 4600 بناية آيلة للسقوط وتأهيل البنية التحتية، مما عكس أثراً سوسيو-اقتصادياً ملموساً على سكان المدينة.

وفي إطار تعزيز الجاذبية الثقافية، أعلنت وكالة التنمية ورد الاعتبار لمدينة فاس عن الإطلاق المرتقب لدراسات تروم تثمين التراث التاريخي المعماري للمدينة العتيقة، التي مكنت برامج تأهيلها وتثمينها من ترميم ما يقارب 400 معلمة وموقع تاريخي بارز. وستمكن هذه الدراسات، التي ستمتد على مدى ثمانية أشهر، من إعداد إطار استراتيجي لتخصيص واستغلال المواقع التي خضعت للترميم والتأهيل، بما يضمن تدبيراً مستداماً لها، ويعزز إدماجها الاجتماعي وجدواها الاقتصادية وقيمتها الثقافية والسياحية.

وستشمل الدراسة عدداً من المعالم التاريخية البارزة، من بينها الساعة المائية البوعنانية، ومقسم مياه باب بوجلود، ودار الماكينة، وموقع قبور المرينيين، وبرج سيدي بونافع، وبرج بوطويل، وفندقي العشيش والصياغ، ومجموعة من الدور ذات القيمة المعمارية المتميزة.

“الحواس الخمس”.. مشروع طموح لإطالة أمد الإقامة

في خطوة نوعية، أطلقت المدينة مؤخراً مشروعاً طموحاً يحمل اسم “الحواس الخمس”، يهدف إلى إحياء الفنادق التاريخية (الفنادق العتيقة) التي تم ترميمها، وتحويلها إلى منصات حية للإبداع والتراث اللامادي. يسعى هذا البرنامج إلى تمكين الزوار من عيش تجربة سياحية فريدة تمس حواسهم الخمس، من خلال ورشات تفاعلية في الصناعة التقليدية، والموسيقى، وفن الطبخ الفاسي الأصيل، بهدف رفع معدل إقامة الزوار في المدينة من 1.3 يوم إلى ما يقارب 2.5 أو 3 أيام، استعداداً للاستحقاقات الكبرى القادمة، بما في ذلك كأس العالم 2030.

فاس عاصمة للمجتمع المدني.. وفعاليات ثقافية تعانق الروحانيات

وفي سياق متصل، تتوج مدينة فاس عاصمة للمجتمع المدني المغربي سنة 2026، في مبادرة تنظمها جمعية فاس سايس للتنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية بشراكة مع المنظمة الدولية للمجتمع المدني لقيم المواطنة والتنمية والحوار، وذلك بهدف تعزيز قيم المواطنة والحوار والتنمية وإبراز مكانة المدينة كفضاء وطني ودولي للفعل المدني والثقافي. ويمتد برنامج التظاهرة على مدار سنة كاملة، ويتضمن ندوات فكرية وملتقيات علمية ومنتديات ثقافية ولقاءات حوارية ومبادرات مدنية وتنموية، تروم تعزيز إشعاع مدينة فاس وتثمين رصيدها الحضاري والقيمي.

أما على الصعيد الثقافي والفني، فستتحول العاصمة الروحية للمملكة، من الخميس 4 إلى الأحد 7 يونيو المقبل، إلى القلب الروحاني والفني للعالم، بمناسبة الدورة التاسعة والعشرين لمهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، الذي ينظم تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس. وتحمل الدورة هذا العام شعار “فاس والمعلمين، حماة الصنعة والتراث”، في احتفاء بالمكانة المحورية للمعلمين، أساتذة الفن، والذين كانت غالباً مساهماتهم خفية وفي الوقت نفسه مؤسسة لتاريخ فاس والمغرب.

وستكون الدورة حافلة بالمستجدات، من خلال برمجة 4 أماكن، وأزيد من 160 فناناً و18 حفلاً موسيقياً، مع اقتراح برمجة مكثفة على مدى أربعة أيام، وتجربة غنية لجمهور المهرجان.

 فاس تستعد لمستقبل واعد

إن ما تشهده فاس اليوم من دينامية سياحية وثقافية غير مسبوقة، يعكس إرادة قوية لوضع العاصمة العلمية في مصاف الوجهات العالمية الكبرى. فبين الاستثمارات الضخمة في ترميم التراث، والمشاريع الطموحة لإطالة أمد الإقامة السياحية، والفعاليات الثقافية ذات الإشعاع الدولي، ترسم فاس ملامح مستقبلها كمدينة تجمع بين أصالة الماضي وحداثة الحاضر، استعداداً لاستقبال العالم في استحقاقات 2030.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى