ثقافة

من رماد الأزمة إلى معجزة التنظيم: كيف أنقذت حكامة الوالي “آيت طالب” الدورة 29 لمهرجان فاس بعد زلزال القضاء؟

لم تكن الدورة التاسعة والعشرون لمهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، و المنظمة تحت الرعاية الملكية السامية، التي أسدلت الستار على فعالياتها مساء الأحد، مجرد محطة فنية عابرة في سجل الحاضرة الإدريسية؛ بل تحولت إلى “ملحمة تنظيمة” واختبار حقيقي لهيبة التدبير الترابي والمؤسساتي بالعاصمة الروحية للمملكة. فخلف الستار وبعيداً عن الأضواء، واجه المهرجان معضلة غير مسبوقة كادت تعصف بوجوده وتاريخه الممتد لثلاثة عقود، إثر زلزال قضائي متزامن مع ليلة الافتتاح تمثل في إختفاء رئيس “مؤسسة روح فاس” الحاضنة للمهرجان،  مباشرة بعد صدور في حقه حكم قضائي نافذ بالسجن الفوري.

هذه الهزة التنظيمية العنيفة استدعت تدخلًا استعجاليًا وحازمًا يقوده ميدانيًا وبصفة شخصية والي جهة فاس-مكناس، خالد آيت طالب، الذي أخذ على عاتقه هندسة “عملية إنقاذ وتدخل” كللت بنجاح مبهر. وبتنسيق وثيق ولصيق مع السلطات الأمنية بمختلف تلويناتها،ومع مختلف المتدخلين، وباعتماد حكامة تدبيرية استثنائية، تمكن الوالي من سد الفراغ الإداري في حينه، وإعادة قطار المهرجان إلى سكته الصحيحة دون تسجيل أي ارتباك في الجدولة الزمنية أو اللوجستيكية؛ لتتحول الدورة 29 إلى واحدة من أنجح الدورات التي أثبتت قوة وموثوقية الدولة في إدارة الأزمات الطارئة.

وتمثلت هذه القوة التنظيمية في العرض الختامي الباهر الذي احتضنه الفضاء الأثري “باب المكينة”، حيث عاش الجمهور الغفير تجربة روحية استثنائية جمعت بين أعماق التصوف الإسلامي وجماليات الموسيقى الكونية؛ إذ صعدت فرقة “الدراويش المولوية” الصوفية التركية إلى الخشبة، بحضور لافت للفنان العالمي سامي يوسف، لتقديم لوحة فنية صوفية نادرة مزجت بين الموسيقى والإنشاد والحركة التعبدية في مشهد أخّاذ أبهر مئات السياح الأجانب والوفود الدبلوماسية الذين غصت بهم المدرجات.

وتعود رقصة الدراويش المولوية إلى الطريقة التي أسسها أتبع المتصوف والشاعر جلال الدين الرومي في مدينة قونية التركية خلال القرن الثالث عشر الميلادي. وتُعرف هذه الممارسة باسم “السماع”، وهي طقس روحي عميق يهدف إلى الارتقاء بالنفس والتقرب إلى الخالق عبر الذكر والموسيقى والحركة الدائرية المنتظمة التي تدور عكس عقارب الساعة حول مركز الدائرة، في حركة ترمز إلى دوران الكواكب حول الشمس، وإلى انسجام الإنسان مع النظام الكوني الكبير الذي يذكر الله في كل ذرة ومجرة.

وقد انعكس هذا الصفاء الروحي والفلسفي في أروقة الحاضرة العتيقة، التي شهدت طيلة أيام المهرجان توافداً قياسياً كبيراً من السياح الأجانب والشخصيات الدولية الذين لم تمنعهم الكواليس الإدارية من الحج بكثافة إلى فاس، مدفوعين بالخطة الأمنية المحكمة التي وضعتها السلطات الأمنية لتأمين مختلف الفضاءات والمسارات السياحية، وضمان انسيابية السير والأمن النفسي والمادي للزوار، مما حرك عجلة الاقتصاد المحلي التقليدي والقطاع الفندقي الذي سجل نسب ملء قياسية.

وشارك في هذه الدورة الاستثنائية نحو 160 فناناً يمثلون عشرات الفرق الموسيقية من الهند، المغرب، فلسطين، العراق، تركيا، إيران، أذربيجان، مصر، الصين، البرازيل، ألمانيا، وفرنسا، في لوحة إنسانية تؤكد أن الموسيقى لغة تتخطى الحدود والأديان. وكان حفل الافتتاح قد احتفى بالحرف التقليدية وبذاكرة مدينة فاس، من خلال تجربة فنية مزجت بين الموسيقى والصورة والحركة والرمزية الروحية.

ويبقى مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، منذ تأسيسه عام 1994، واحداً من أبرز الأحداث الثقافية الدولية التي يحتضنها المغرب، والذى تحوّل بفضل تظافر جهود السلطات المحلية والأمنية إلى جسر حقيقي للحوار بين الثقافات، لتظل مدينة فاس العتيقة، بأزقتها وزوايا مساجدها وصوت أذانها، الإطار الأمثل لاحتضان هذا الزخم الروحي والحضاري، حيث يتجدد كل عام الميثاق الجميل بين الإنسان والجمال والمعنى، متجاوزاً كل العثرات العابرة بفضل رجالات يتقنون فن تدبير الأزمات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى