قرية أبا محمد: حينما يتحول “النقير الإلكتروني” إلى معول لهدم المؤسسات وتشويه المجرى القضائي

تقرير صحفي: عبدالله مشواحي الريفي
الاستثمار في الفزع ونهاية الأخلاقيات
لم يعد خافياً على المتتبع الحصيف للشأن الوطني والمحلي أن “المنظومة الرقمية البديلة” قد انحرفت في كثير من محطاتها عن دورها التنويري، لتتحول إلى منصات لبث الذعر، والاتجار بـ”الأعراض”، وصناعة الإثارة الرخيصة على حساب السلم الاجتماعي والأمن النفسي للأسر. وما شهدته الحاضرة المجاهدة “قرية أبا محمد” بإقليم تاونات خلال الأيام القليلة الماضية، يعد نموذجاً صارخاً لـ”التوحش الرقمي” الذي يقتات على تضخيم الهوامش، وتحويل الحوادث المعزولة إلى “قنابل موقوتة” من الشائعات، تبتغي حصد المشاهدات وجني أرباح “الأدسنس” المغمسة بكرامة المواطنين وسمعة المؤسسات.
يقظة أمنية استباقية تفضح التهويل والتضخيم
تأتي المعطيات الدقيقة والحاسمة لتعيد قاطرة النقاش إلى سكتها الحقيقية؛ فالقضية في أصلها وجوهرها لم تكن لتكشف لولا اليقظة الاستباقية والعمليات الروتينية الاعتيادية التي تباشرها المصالح الأمنية بمحيط المؤسسات التعليمية ومؤسسات الرعاية الاجتماعية، لضمان سلامة التلاميذ وتحصينهم من أي سلوكيات منحرفة.
خلال هذه الدوريات الأمنية اليقظة التي تمتد لقرابة الشهرين، حامت الشكوك حول حالتين لفتاتين فقط بالمنطقة، مما استدعى فوراً إخضاعهما للبحث والتحري المعمق وفق ضوابط المسطرة القانونية وبحضور أولياء أمورهما، تحت الإشراف المباشر للنيابة العامة المختصة.
هذه هي الحقيقة العارية من مساحيق التزييف: حالتان معزولتان يجري التحقيق بشأنهما بكامل المهنية والموضوعية، دحضاً وتفنيداً لتلك الادعاءات والمغالطات المروجة عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتي حاولت جاهدة اختلاق “شبكة منظمة” أو الإيحاء بوجود “عدد كبير من الضحايا”، في سلوك مرضي يهدف إلى تضخيم القضية وإعطائها حجماً هلامياً يخالف الواقع جملة وتفصيلاً.
تجار “الأدسنس” والمتطفلون على الجسم الإعلامي وجبهة التضليل
أمام هذا التناول العشوائي، وجب وضع الأصابع على مكمن الداء؛ إن ما يجري في الهوامش الرقمية لبعض المواقع والصفحات ليس عملاً صحفياً، بل هو ارتزاق رقمي موصوف يمارسه ثلة من المتراميين والدخلاء على الجسم الإعلامي. هؤلاء الذين لا يملكون من المهنة غير “هاتف وكاميرا”، استباحوا المحظور وتحللوا من ميثاق شرف المهنة، ليركعوا في محراب “البوز” وعائدات “الأدسنس” اللعينة.
إن ضرب أعراض القاصرات والتشهير بمؤسسات الرعاية ليس “سبقاً صحفياً”، بل هو جريمة مكتملة الأركان. لقد أظهر هذا الملف عورة تلك “الصحافة الصفراء” التي لا تتحرى مصداقية، ولا تعتمد مصادر رسمية، بل تتلقف الشائعة من المقاهي الافتراضية لتصنع منها مادة لترهيب الساكنة والمساس بسمعة إقليم بأكمله، متناسين أن حماية هوية القاصرين وخصوصيتهم خط أحمر ينص عليه القانون الدولي والوطني على حد سواء.
براءة “دار الطالبة”: تدمير الثقة وصناعة الهدر المدرسي
في سياق هذا التكالب الرقمي، نالت مؤسسات الرعاية الاجتماعية بقرية أبا محمد، ولا سيما “دار الطالبة”، نصيباً من السهام الطائشة والشائعات المغرضة. ووفقاً للبلاغات التوضيحية الرسمية الصادرة عن الجمعيتين المسيرتين للمؤسستين، فإن الأطر الإدارية والتربوية ينفون نفياً قاطعاً وجازماً أية صلة للمستهدفات بالملف بهاتين المؤسستين، مؤكدين أن الفتيات المعنيات بالتحقيق لسن قاطنات بدور الطالبة ولا تربطهن بها أي صلة قرابة أو إقامة.
إن التشهير اللامسؤول بـ”دار الطالبة” – التي تعد حصناً منيعاً لمحاربة الهدر المدرسي وتشجيع تمدرس الفتيات بالعالم القروي – ينطوي على خطورة بالغة:
-
تدمير التحصيل الدراسي: خلق مناخ من الرعب والشك والضغط النفسي في صفوف التلميذات القاطنات، تزامناً مع فترة امتحانات نهاية السنة المصيرية.
-
ضرب الرأسمال البشري: زرع الريبة في نفوس الآباء والأمهات، مما قد يدفع الأسر المحافظة إلى سحب بناتها من حواضن التعليم، وبالتالي الإسهام المباشر في تنامي ظاهرة الهدر المدرسي التي تبذل الدولة جهوداً حثيثة للحد منها.
-
نسف جهود سنوات: هدم صرح الثقة بين الأسرة والمؤسسة التربوية، وهو الصرح الذي يتطلب بناؤه سنوات من التضحية والعمل الميداني.
الساكنة والقضاء والأمن: جبهة واحدة لتطبيق القانون
إن قرية أبا محمد، ورغم الترويج المخيف للحرب النفسية الرقمية ضدها، تظل منطقة آمنة بفضل تلاحم ساكنتها الشريفة وبيئتها المحافظة التي ترفض الرذيلة كما ترفض التشهير. إن هذه الحوادث المعزولة، والتي تحدث في أرقى المجتمعات، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُتخذ ذريعة لوسم المنطقة أو النيل من وقار أهلها وتاريخهم.
وفي المقابل، فإن الأجهزة الأمنية والقضائية المختصة تواصل اليوم أبحاثها وتحرياتها بكامل الحكمة والمسؤولية، ليس فقط للكشف عن الملابسات الحقيقية للحالتين المعزولتين، بل أيضاً لتفعيل المساطر القضائية وملاحقة كل من ثبت تورطه في نشر الأخبار الزائفة، والتشهير، والمساس بالحقوق الرقمية والمؤسساتية.
دعوة للحس الوطني
إن الحفاظ على أعراض المواطنين ومستقبل التلميذات يستوجب من الضمائر الحية والمواقع الإلكترونية الجادة التحلي بـالحس الوطني العالي وروح المسؤولية، وتغليب المصلحة العليا للوطن على الأرباح المادية العابرة. لن يتأتى ذلك إلا بالاعتماد الحصري على المصادر الرسمية، واحترام سرية التحقيق، وقطع الطريق على المتطفلين ليبقى الجسم الإعلامي نظيفاً، وتظل المؤسسات التربوية ملاذاً آمناً لبناء مغرب الغد.






