قضايا

فوضى النظافة في ضواحي فاس ومولاي يعقوب… أولاد الطيب وعين الشقف تحت ضغط النفايات وملف صفقات متعثرة يفتح أسئلة الوصاية والتدبير

تعيش عدد من الجماعات الترابية المحيطة بمدينة فاس، وعلى رأسها جماعة أولاد الطيب بإقليم فاس، والجماعة الترابية عين الشقف بإقليم مولاي يعقوب، وضعاً بيئياً دقيقاً بسبب الاختلالات المتواصلة في تدبير قطاع النظافة، وسط تراكم النفايات في عدد من النقاط، وغياب حلول ناجعة تعيد الانضباط لهذا المرفق الحيوي الذي يرتبط بشكل يومي بحياة المواطنين وصحتهم العامة.

المشهد، كما عاينه عدد من السكان، يكشف عن تراكم واضح للأزبال في أحياء متعددة، وتدهور حالة الحاويات إن وُجدت، مع نقص كبير في توزيعها وصيانتها، الأمر الذي حول بعض الشوارع والطرق الرئيسية إلى نقاط سوداء بيئية، خصوصاً في الفترات التي تعرف ضغطاً استثنائياً مثل أيام العيد.

وفي هذا السياق، يُسجل استمرار وضع بالغ الخطورة على مستوى الشارع الرئيسي المؤدي إلى مطار فاس سايس، حيث ما يزال إلى حدود اليوم الثاني من العيد غارقاً في كميات كبيرة من النفايات وجلود الأضاحي ومخلفات الذبح، في مشهد يسيء لصورة المدخل الجوي للعاصمة العلمية، ويطرح علامات استفهام حول نجاعة التدخلات الاستعجالية ووتيرة رفع الأزبال خلال فترات الذروة.

كما أن الوضع لا يقتصر على هذا المحور الحيوي فقط، بل يمتد إلى عدد من الأحياء والدواوير المحيطة، حيث أصبح الولوج إليها بالنسبة للساكنة أشبه بـ”معاناة يومية”، في ظل تراكم النفايات وانبعاث الروائح الكريهة، وهو ما وصفه مواطنون بأنه نوع من “جحيم صامت” يعيشه المواطن المغلوب على أمره، في غياب حلول سريعة وفعالة تضع حداً لهذا التدهور البيئي.

الأكثر إثارة للانتباه هو الوضع الذي أصبح عليه الطريق الرئيسي المؤدي إلى مطار فاس سايس، والذي تحول في بعض المقاطع إلى ما يشبه مطرحاً عشوائياً للنفايات، في مشهد يسيء لصورة المدخل الجوي للعاصمة العلمية، خاصة خلال قبل أيام العيد و ليلة العيد وما تلاها من أيام، حيث تتضاعف كميات المخلفات بشكل لافت و تنشر جلود الأضاحي في كل مكان.

هذا الوضع أعاد إلى الواجهة أسئلة عميقة حول جدوى تدبير قطاع النظافة عبر المجالس المنتخبة في ظل الإمكانيات المحدودة، وضعف المردودية، وتكرار الأعطاب في منظومة التسيير، خاصة بعد تجارب سابقة أظهرت صعوبات كبيرة في ضبط هذا القطاع الحيوي الذي يتطلب إمكانيات تقنية ومالية وبشرية كبيرة.

وفي هذا السياق، يبرز ملف الشركات المفوض لها تدبير هذا القطاع، بعد أن انسحبت أو توقفت بعضها عن العمل في ظروف وُصفت بـ”المعقدة”، حيث تشير معطيات محلية إلى أن إحدى الشركات غادرت الصفقة بعد فترة من الإختلالات في الصفقة، في حين توقفت أخرى عن أداء مهامها بعد وضعيات مرتبطة بإفلاس أو مشاكل قانونية، دون أن يتم الحسم النهائي في مسار هذه العقود أو ملاحقة بعض الاختلالات المحتملة بشكل واضح.

هذا الوضع يطرح تساؤلات جوهرية حول استمرارية تدبير قطاع حساس بهذا الحجم دون حلول بديلة سريعة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بخدمة عمومية يومية لا تحتمل الفراغ، ولا يمكن أن تبقى رهينة الانتقال بين شركات متعثرة أو مجالس تعاني من محدودية الإمكانيات.

من جهة أخرى، يتعالى النقاش حول دور سلطات الوصاية، سواء على مستوى ولاية جهة فاس مكناس أو عمالة إقليم مولاي يعقوب، في مواكبة وتوجيه المجالس المنتخبة، خصوصاً فيما يتعلق بإعادة فتح صفقات جديدة أو إعادة هيكلة تدبير قطاع النظافة بجماعة عين الشقف التي شهدت فراغاً تعاقدياً دام سنوات، وجماعة أولاد الطيب التي تعيش بدورها وضعاً انتقالياً بعد توقف الشركة السابقة عن العمل.

وتطرح هذه الإشكالات سؤالاً مركزياً حول مدى نجاعة النموذج الحالي في تدبير قطاع النظافة، وهل يمكن فعلاً ترك هذا المرفق الحساس تحت تدبير مجالس منتخبة بإمكانيات محدودة دون تدخل تأطيري أو تقني قوي من السلطات المختصة، خاصة وأن التجربة الميدانية، وفق متتبعين، أظهرت أن النتائج غالباً ما تكون دون مستوى انتظارات الساكنة.

كما أن غياب الوضوح في مساطر التتبع والمراقبة المالية والتقنية، يفتح الباب أمام تساؤلات حول كيفية صرف المال العام في هذا القطاع، ومدى ارتباطه بالمردودية الفعلية على الأرض، أي نظافة الأحياء، انتظام جمع النفايات، وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

في المقابل، يرى متتبعون أن الإشكال لا يتعلق فقط بتدبير محلي، بل بمنظومة متكاملة تحتاج إلى إعادة نظر، تشمل طريقة إعداد الصفقات، شروط التعاقد، آليات المراقبة، وتحديد المسؤوليات بين الجماعات الترابية والسلطات الوصية، بما يضمن استمرارية الخدمة العمومية دون انقطاع أو تراجع في الجودة.

ومع اقتراب فترات الذروة مثل الأعياد والمواسم، تتضاعف حدة هذا الإشكال، حيث تظهر بوضوح محدودية التدخلات الاستباقية، وتراكم النفايات بشكل سريع، في غياب خطط طوارئ فعالة و إمكانيات لوجستية و بشرية تستجيب للارتفاع المفاجئ في حجم المخلفات.

وفي ظل هذه المعطيات، يطرح الرأي العام المحلي بإلحاح سؤال التدخل: هل سيتم فتح تحقيقات أو تقييم شامل لوضعية قطاع النظافة بهذه الجماعات؟ وهل قامت المصالح المختصة بزيارات ميدانية فعلية للوقوف على الوضع البيئي المتدهور، خصوصاً على مستوى الطرق المؤدية إلى مطار فاس سايس والتجمعات السكنية الكبرى بعين الشقف وأولاد الطيب؟

إن استمرار هذا الوضع دون حلول جذرية يهدد ليس فقط جمالية المجال الترابي، بل أيضاً صحة المواطنين وصورة العاصمة العلمية كقطب حضري وسياحي مهم،وهي مدينة مقبلة على تنظيم مهرجان عالمي للموسيقى العرقية و لكنها مدينة متسخة و تغطيها الأزبال، ما يجعل من إعادة هيكلة قطاع النظافة أولوية ملحة تتجاوز الحسابات التدبيرية الضيقة، نحو رؤية شمولية تقوم على الفعالية، المحاسبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة و المردودية الحقيقية على الأرض التي يظهرها الواقع أنها منعدمة.

وفي الأخير، فإن محطة العيد بما تحمله من ضغط استثنائي في إنتاج النفايات واختبار مباشر لقدرات التدبير المحلي، لا يمكن أن تمر مروراً عادياً، بل ينبغي أن تتحول إلى لحظة تقييم صارم وشامل لوضعية قطاع النظافة داخل هذه الجماعات. فاستمرار الاختلالات بهذا الشكل، وترك المجال لتدبير ارتجالي يثقل كاهل الساكنة ويشوّه المحيط البيئي، يفرض تدخلاً عاجلاً وحازماً من السلطات الوصية، من أجل إعادة الانضباط لهذا المرفق الحيوي، ووضع حد لأي تسيير يفتقد للنجاعة أو المسؤولية. فحماية المواطنين ليست خياراً ظرفياً، بل واجب مؤسساتي، ولا يمكن أن يُترك المجال مفتوحاً أمام أي تدبير منتخب يعبث بمصالح الساكنة أو يحوّل الحق في النظافة إلى معاناة يومية صامتة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى