فاس بين الأسوار والذاكرة… عيد بطعم الغلاء في مدينة تحكي تاريخها في زمن النزيف و صوت الشباب وصمت الشيوخ

مع الساعات الأولى من صباح عيد الأضحى، كانت مدينة فاس تستيقظ على إيقاع مختلف تماماً عن باقي أيام السنة. المدينة العتيقة، بأسوارها التاريخية وأبوابها القديمة وأزقتها الضيقة التي تحفظ قروناً من الذاكرة، بدت وكأنها تعيد ترتيب الزمن على طريقتها الخاصة: هدوء نسبي في الحركة، ودفء إنساني يتسلل من بين الحجارة التي شهدت تعاقب الدول والحضارات.
في فاس، لا يبدأ العيد فقط من المصلى، بل من الإحساس العام بأن المدينة تعود للحظة نادرة من التوازن بين الماضي والحاضر. شوارع أقل ازدحاماً، وأبواب المدينة القديمة التي تبدو كأنها تراقب المشهد بصمت، فيما تتقاطع روائح الخبز التقليدي والقهوة مع أصوات التكبير القادمة من المصليات المنتشرة في مختلف الأحياء.
قبل السابعة صباحاً، كانت جنبات المصليات قد بدأت تمتلئ تدريجياً بآلاف المصلين القادمين من مختلف أحياء فاس الجديدة والعتيقة. رجال بجلابيب بيضاء وعمائم تقليدية، شباب بملابس بسيطة لكن حديثة الطابع، وأطفال يمسكون بأيدي آبائهم، يراقبون المشهد وكأنهم يكتبون أولى صفحات ذاكرتهم مع العيد.
المدينة التي لطالما وُصفت بأنها “ذاكرة المغرب الحية”، بدت في صباح العيد وكأنها تجمع بين أزمنة مختلفة في لحظة واحدة: شيوخ يتكئون على عصيهم ويحملون في وجوههم حكايات عمر طويل، وشباب لا يفارقون هواتفهم المحمولة يوثقون كل لحظة بعدسة رقمية، وكأن الماضي والحاضر يعيشان جنباً إلى جنب دون أن يلغيا بعضهما البعض.
غير بعيد عن صفوف المصلين، جلس الحاج أحمد، وهو رجل سبعيني من سكان المدينة العتيقة، يتأمل الحضور بصمت. قال بصوت هادئ: “فاس تغيرت كثيراً، لكن العيد ما زال يحمل نفس الروح. كنا نخرج في الصغر إلى المصلى حفاة تقريباً، واليوم كل شيء أصبح أسرع… الهاتف، التصوير، الحياة كلها تغيرت، لكن التكبيرات ما زالت هي نفسها”.
في الجهة المقابلة، كان ياسين، شاب في العشرينات من عمره، يلتقط صوراً بهاتفه قبل الصلاة، ثم يعلق مبتسماً: “نعيش اليوم في زمن العولمة، كل شيء صار رقمياً. حتى العيد لم يعد فقط في البيت أو المصلى، بل على الهاتف أيضاً. لكن رغم ذلك، ما زلنا نحافظ على طقوسنا الأساسية، لأن فاس مدينة لا تسمح لك أن تنسى جذورك”.
هذا التعايش بين الأجيال لم يلغِ نقاشاً آخر كان حاضراً بقوة في أروقة المصلى ومحيطه: الغلاء. فبينما كان البعض يتحدث عن رمزية العيد، كان آخرون يهمسون بثقل الأسعار هذا العام، خصوصاً ما يتعلق بالأضاحي التي عرفت ارتفاعاً كبيراً جعل عدداً من الأسر تعيد حساباتها إلى آخر لحظة.
سعيد، موظف في القطاع الخاص وأب لثلاثة أطفال، قال إن العيد هذه السنة كان “مختلفاً من الناحية المادية”: “حاولنا الحفاظ على الفرحة داخل البيت، لكن الأسعار كانت مرهقة. بعض الأسر في الحي لم تتمكن من اقتناء الأضحية، ومع ذلك لم تفقد روح العيد. فاس مدينة تعلمك كيف تفرح حتى في الصعوبات”.
في أحياء فاس القديمة، حيث الأزقة الضيقة التي تتشابك مثل خريطة زمنية معقدة، يبدو العيد أكثر قرباً من الناس. الأطفال يركضون بين الدروب، النساء يتبادلن التهاني من النوافذ، والشيوخ يجلسون أمام الأبواب الخشبية العتيقة يحكون قصصاً عن أعياد مضت، حين كانت الحياة أبسط، والفرحة أقل كلفة، والزمن أبطأ.
يقول أحد الشيوخ من حي الزيات: “كنا نعرف العيد من صوت الناس في الأزقة، من رائحة الخبز والشواء، من حركة الأسواق. اليوم تغير كل شيء، لكن فاس لا تزال تحتفظ بروحها. حتى في زمن الهاتف والغلاء، هناك شيء لا يتغير هنا… الذاكرة”.
ومع انتهاء صلاة العيد، تحولت الساحات المحيطة بالمصلى إلى فضاءات مفتوحة للسلام والتحية والتقاط الصور. شباب يلتقطون صوراً جماعية، عائلات تتبادل التهاني، وأطفال يركضون في كل الاتجاهات، بينما الكاميرات والهواتف تعيد صياغة المشهد في شكل جديد من الاحتفال، يجمع بين التقليدي والرقمي في آن واحد.
في قلب هذا المشهد، تبدو فاس وكأنها تقف على مفترق طرق بين زمنين: زمن الأسوار والحرف اليدوية والقصص القديمة، وزمن العولمة والهواتف الذكية والسرعة. لكنها رغم كل ذلك، تحافظ على جوهرها: مدينة لا تفقد روحها بسهولة رغم أنها تنزف بصمت.
وبين حديث الشيوخ عن الماضي، وحماس الشباب للحاضر، يظل العيد في فاس أكثر من مجرد مناسبة دينية أو اجتماع عائلي. إنه لحظة تعيد فيها المدينة اكتشاف نفسها، وتعيد فيها الأسر المغربية، رغم الغلاء وضغط الحياة، تشكيل معنى الفرح بطريقتها الخاصة.
ومع انقضاء ساعات الصباح الأولى، وعودة الحركة تدريجياً إلى إيقاعها اليومي، تبقى فاس كما هي: مدينة تحكي التاريخ بصمت أسوارها، وتعيش الحاضر بصخب شبابها، وتحتفظ دائماً بشيء من الروح القديمة بروائح العود و المسك و “سرغينة” التي تجعل كل عيد فيها امتداداً لذاكرة طويلة لا تنطفئ.






