حملة رقابية واسعة تسبق موسم الصيف… مكتب الصرف يطوّق “السوق السوداء” ويشدّد المراقبة على مكاتب التحويل في كبرى المدن

تُعيد الحملات الرقابية الأخيرة التي استهدفت عدداً من مكاتب الصرف المرخصة في مدن كبرى بالمغرب، فتح نقاش أعمق حول طبيعة الاختلالات التي قد ترافق نشاط هذا القطاع الحساس، خاصة بعد رصد تجاوزات مهنية وتنظيمية أثارت انتباه أجهزة المراقبة المالية.
فالمعطيات التي تم تداولها خلال هذه العمليات الرقابية تشير إلى وجود خروقات مرتبطة بعدم احترام بعض المكاتب للإجراءات القانونية، وعلى رأسها التحقق الصارم من هوية الزبائن، والتصريح بالعمليات المشبوهة، إضافة إلى تسجيل معاملات غير مبررة أو غير موثقة وفق المساطر المعمول بها، وهو ما يضع علامات استفهام حول مستوى الالتزام بالشفافية داخل بعض الفاعلين في القطاع.
الأخطر في هذه الصورة، هو ما كشفت عنه بعض التقارير من تورط شبكات مرتبطة بالصرف في قضايا ذات صلة بالمضاربة في العملات خارج الإطار القانوني، وأحياناً في شبهات تتقاطع مع ملفات أكبر تشمل تبييض الأموال وتهريب العملة، وهي قضايا غالباً ما تتداخل فيها الأنشطة غير المهيكلة مع شبكات مصالح تمتد إلى أطراف متعددة.
كما أشارت معطيات سابقة إلى رصد علاقات غير مباشرة بين بعض المتعاملين في مجال الصرف وبعض الوسطاء المرتبطين بأنشطة تجارية أو لوجستيكية، استُعملت أحياناً كقنوات لتسهيل تحويلات مالية خارج القنوات الرسمية، وهو ما يزيد من تعقيد مسار تتبع الأموال ويطرح تحديات كبيرة أمام أجهزة الرقابة المالية.
وفي هذا السياق، يبرز ملف المضاربة في العملات كأحد أبرز التحديات التي تواجه تنظيم سوق الصرف، حيث تؤدي الفوارق بين السعر الرسمي والسوق الموازية إلى خلق فرص للربح غير المشروع، ما يشجع بعض الممارسات التي تخرج عن الإطار القانوني وتؤثر على استقرار السوق النقدي.
وتكمن خطورة هذه التجاوزات في كونها لا تقتصر على الإضرار بالمؤسسات المرخصة فقط، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد الوطني ككل، من خلال تقويض مبدأ الشفافية، وإضعاف الثقة في القنوات الرسمية، وخلق اقتصاد موازٍ يصعب ضبطه أو مراقبته بشكل دقيق.
كما أن تداخل بعض الأنشطة مع قضايا حساسة مثل المخدرات أو تبييض الأموال، حتى وإن كانت في شكل شبهات أو ارتباطات غير مباشرة، يفرض تشديداً أكبر على آليات المراقبة، واعتماد مقاربة صارمة تقوم على تتبع مسار الأموال وربطها بمصدرها الحقيقي، وفق المعايير الدولية المعتمدة في محاربة الجرائم المالية.
وفي المقابل، يرى متتبعون أن تطوير قطاع الصرف بالمغرب يمر أساساً عبر تعزيز الشفافية الرقمية، وتعميم أنظمة التتبع الإلكتروني للمعاملات، وربطها بشكل مباشر بالمؤسسات الرقابية، بما يسمح بتقليص هامش التدخلات غير القانونية والحد من عمليات المضاربة غير المشروعة.
كما أن تقوية الإطار القانوني وحدها لا تكفي، ما لم تُواكب بتفعيل صارم للمراقبة الميدانية، وزجر المخالفات، وحماية الفاعلين الملتزمين داخل القطاع، بما يضمن خلق بيئة مالية سليمة تشجع الاستثمار وتحمي الاقتصاد الوطني من مخاطر الاقتصاد الموازي.
وبين متطلبات السوق وضغوط الربح السريع، يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين حرية النشاط الاقتصادي وضبط الانحرافات، في إطار يحترم قواعد الشفافية والنزاهة، ويضع حداً لأي استغلال غير مشروع لمنظومة الصرف والعملات.
وفي النهاية، فإن ملف مكاتب الصرف ليس مجرد قضية تقنية، بل هو جزء من معركة أوسع ضد اقتصاد الظل، تتطلب يقظة مستمرة وتنسيقاً مؤسساتياً صارماً، لضمان أن تبقى حركة الأموال في إطارها القانوني، بعيداً عن كل أشكال المضاربة والتوظيف غير المشروع.






