صيف الجحيم يهدد المغرب… حرائق الحقول والغابات تلتهم أرزاق الفلاحين وسط سباق مع الزمن لوقف الكارثة

لم تعد الحرائق بالمغرب مجرد حوادث معزولة أو مشاهد موسمية عابرة، بل تحولت إلى كابوس حقيقي يؤرق المغاربة مع كل ارتفاع لدرجات الحرارة، ويهدد الأمن الغذائي والغطاء الغابوي وأرزاق آلاف الأسر القروية التي تجد نفسها فجأة أمام ألسنة نار تلتهم سنوات من التعب والعمل في دقائق معدودة.
في الأيام الأخيرة، عاش المغرب على وقع سلسلة من الحرائق المتفرقة التي اجتاحت حقولاً فلاحية وغابات ومناطق قروية، مخلفة خسائر ثقيلة في المحاصيل الزراعية، وسط حالة من الخوف والغضب، خاصة مع تزامن هذه الحرائق مع أيام عيد الأضحى، وهي الفترة التي تعرف ارتفاعاً كبيراً في درجات الحرارة، وحركة واسعة للمواطنين، واستعمالاً مكثفاً للنيران والشواء، ما يزيد من احتمال اندلاع الكوارث.
المشهد كان مؤلماً في عدد من المناطق. فلاحون وقفوا عاجزين أمام النيران وهي تلتهم حقول القمح والشعير قبل ساعات فقط من الحصاد، وآخرون خاطروا بحياتهم في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه باستعمال وسائل بدائية لا تليق بحجم الخطر. هناك من حمل غصن شجرة لإخماد ألسنة اللهب، وهناك من سارع إلى استعمال الجرارات لحرث الأرض وخلق ممرات عازلة تمنع زحف النار نحو باقي الحقول، فيما كان آخرون يصرخون طلباً للنجدة وسط دخان كثيف وحالة من الرعب.
الأخطر أن عدداً من هذه الحرائق كشف هشاشة التدخل الميداني في بعض المناطق القروية، حيث يجد المواطن نفسه وحيداً في مواجهة النار، في ظل غياب وسائل الإطفاء أو تأخرها، وضعف الإمكانيات اللوجستيكية، وهو ما جعل سكان عدد من الدواوير يتحدثون بمرارة عن “مواجهة النار بالأيدي العارية”.
وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه المواطنون تعبئة استباقية قوية مع بداية موجة الحرارة، ظهرت صور صادمة لرجال درك وقوات مساعدة وأعوان سلطة ومواطنين يحاولون السيطرة على الحرائق بوسائل تقليدية، بينما الوقاية المدنية تصل أحياناً بعد توسع رقعة النيران، خصوصاً في المناطق البعيدة والمعزولة.
المغرب اليوم أمام امتحان صعب، لأن الأمر لا يتعلق فقط بحرائق موسمية، بل بخطر حقيقي يهدد المحصول الفلاحي الوطني في لحظة حساسة، ويهدد كذلك الثروة الغابوية التي تعتبر رئة بيئية واقتصادية للبلاد.
فمع كل صيف، تعود الكارثة نفسها: حرائق هنا وهناك، خسائر بالملايين، ضحايا أحياناً، وحقول تتحول إلى رماد. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا لا يزال المغرب يواجه هذه الحرائق بردود فعل متأخرة بدل اعتماد خطط استباقية صارمة؟
السلطات المختصة تعلم جيداً أن أشهر الصيف أصبحت مرادفة لموسم الحرائق، خصوصاً مع التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة والصواعق الرعدية والرياح الساخنة، إضافة إلى العامل البشري الذي يبقى أحد أكبر أسباب اندلاع الحرائق، سواء بسبب الإهمال أو الرمي العشوائي لأعقاب السجائر أو إشعال النيران قرب الحقول والغابات.
ورغم التحذيرات الجوية والإنذارات المتكررة، فإن الواقع الميداني يكشف أن عدداً من المناطق لا تزال تفتقر إلى الجاهزية الكافية لمواجهة حرائق واسعة وسريعة الانتشار.
فأين هي خطط اليقظة؟ وأين هي فرق التدخل السريع القادرة على الوصول إلى المناطق القروية في الدقائق الأولى للحريق؟ وأين هي آليات التنسيق الميداني التي تجعل من مواجهة الحرائق عملية استباقية لا مجرد رد فعل بعد وقوع الكارثة؟
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الحرائق لا تُواجه بالبلاغات وحدها، بل بالاستعداد المسبق والتدخل المبكر والتعبئة الشاملة. والمغرب، الذي نجح في تدبير عدد من الأزمات الكبرى خلال السنوات الأخيرة، مطالب اليوم بالتعامل مع ملف الحرائق بنفس الجدية وحالة الاستنفار التي تمت بها مواجهة الفيضانات والكوارث الطبيعية.
لأن الخطر اليوم لم يعد بيئياً فقط، بل أصبح اقتصادياً واجتماعياً أيضاً. فالفلاح الذي يحترق محصوله قبل الحصاد لا يخسر فقط موسماً فلاحياً، بل يخسر مصدر عيشه بالكامل. والأسرة القروية التي ترى النيران تقترب من منزلها أو مواشيها تعيش حالة رعب حقيقية لا تعوضها التعويضات المتأخرة ولا الوعود الموسمية.
أما الغابات، فهي ليست مجرد أشجار تحترق، بل ثروة وطنية وملك جماعي للأجيال القادمة. كل هكتار يلتهمه الحريق هو خسارة بيئية وسياحية واقتصادية يصعب تعويضها، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي تهدد التوازن الطبيعي للبلاد.
المثير للقلق أكثر أن المغرب مقبل على أيام توصف بأنها شديدة الخطورة من حيث درجات الحرارة واحتمالات اندلاع الحرائق، وفق الإنذارات الجوية، ما يفرض رفع أقصى درجات التعبئة والاستعداد. لأن أي تأخر أو تراخٍ قد يحول شرارة صغيرة إلى كارثة وطنية.
إن المرحلة اليوم تقتضي تعبئة شاملة لكل المتدخلين: سلطات محلية، وقاية مدنية، درك ملكي، قوات مساعدة، جماعات ترابية، مصالح المياه والغابات، ووسائل الإعلام كذلك، لأن المعركة ضد الحرائق ليست مسؤولية جهاز واحد فقط، بل مسؤولية جماعية لحماية البلاد وثرواتها.
كما أن المواطن نفسه مطالب باليقظة، لأن جزءاً كبيراً من الحرائق سببه السلوك البشري والاستهتار بخطورة الوضع. فسيجارة واحدة مرمية قرب حقل جاف قد تتسبب في كارثة، ونار صغيرة لإعداد الشاي أو الشواء قد تتحول في ثوانٍ إلى جحيم يصعب السيطرة عليه.
المغرب اليوم لا يحتاج إلى خطابات حكومية مطمئنة فقط، بل يحتاج إلى حضور ميداني قوي، وإلى استباق الكارثة قبل وقوعها، لأن النار حين تشتعل لا تمنح أحداً الوقت للتبرير.
لقد بدأت معركة الصيف مبكراً… ومعها بدأ امتحان الدولة الحقيقي في حماية المحصول الفلاحي والثروة الغابوية وأرواح المواطنين من صيف يبدو أنه سيكون صيف اللهب الكبير.






