مجتمع

أزمة خروف العيد بالمغرب… سنة من “تعليق الذبح” لم تُنقذ القطيع، ووعود الحكومة احترقت في أسواق الغلاء والندرة

لم يكن المغاربة يتوقعون أن يتحول عيد الأضحى هذا العام إلى واحدة من أكثر المحطات الاجتماعية توتراً وصدمة في السنوات الأخيرة، بعدما انفجرت أزمة “خروف العيد” بشكل غير مسبوق، وكشفت واقعاً مغايراً تماماً لما ظل يُقدَّم للرأي العام من وعود وتصريحات مطمئنة حول وفرة القطيع الوطني واستقرار الأسواق.

فالمشهد الذي عاشه المغاربة في الأسواق كان قاسياً وصادماً؛ أسعار مشتعلة، ندرة في الأكباش، مضاربات متوحشة، ومواطنون يتنقلون من سوق إلى آخر دون أن يعثروا على أضحية تناسب قدرتهم الشرائية. بل إن عدداً كبيراً من الأسر المغربية بقي إلى ليلة العيد دون أضحية، فيما اضطر آخرون إلى الانسحاب نهائياً من الأسواق بعدما تحولت الأثمان إلى نار حقيقية تلتهم جيوب الفقير والطبقة المتوسطة وحتى فئات كانت تعتبر نفسها في منأى عن هذا الانهيار.

لكن الأخطر من الأزمة نفسها، هو أنها جاءت بعد سنة كاملة عاش فيها المغرب وضعاً استثنائياً، حين التزم المغاربة بالتوجيهات الملكية السامية التي دعت إلى مراعاة الظرفية الصعبة التي يعيشها القطيع الوطني بسبب الجفاف وارتفاع التكاليف وتراجع أعداد الماشية. حينها تفهم المغاربة الرسالة، وتعاملوا بروح وطنية عالية، واعتبر كثيرون أن “تعليق نحر الأضحية” في تلك السنة قد يمنح القطيع فرصة للاستعادة والتوازن، ويخفف الضغط على الأسواق والمربين.

غير أن ما وقع هذا العام طرح أسئلة أخطر وأكثر إحراجاً: إذا كانت السنة الماضية قد مرت دون ذبح واسع للأضاحي، فأين ذهبت نتائج ذلك؟ وكيف عاد المغاربة ليجدوا أنفسهم أمام أزمة أشد قسوة؟ ولماذا تحولت الأسواق إلى ساحات للغضب والارتباك رغم كل الوعود الحكومية؟

هنا تبدأ الحقيقة التي لم تعد تخفيها البلاغات الرسمية.

لأشهر طويلة، خرجت تصريحات حكومية تؤكد أن الوضع “تحت السيطرة”، وأن القطيع الوطني بخير، بل وتم تقديم أرقام ضخمة للرأي العام تتحدث عن عشرات الملايين من رؤوس الأغنام والماعز بالمغرب. لغة الأرقام كانت مطمئنة، والخطاب الحكومي كان يوحي بأن الدولة قامت بكل ما يلزم لتفادي أي أزمة محتملة في عيد الأضحى.

لكن الواقع الذي صدم المغاربة داخل الأسواق نسف كل تلك الوعود. المواطن البسيط لم يرَ الملايين التي تحدثوا عنها، بل رأى خرفاناً بأسعار خيالية، ورأى “السماسرة” يتحكمون في السوق، ورأى أن الأضحية أصبحت حلماً صعب المنال.

لقد تحول السؤال داخل الشارع المغربي من “كم ثمن الخروف؟” إلى “أين هو الخروف أصلاً؟”.

وهو سؤال خطير، لأنه يكشف وجود فجوة كبيرة بين الخطاب الرسمي والحقيقة الميدانية. فكيف يُعقل أن تُقدَّم أرقام مطمئنة عن القطيع، ثم يعيش المواطن ندرة حقيقية حتى ليلة العيد؟ وهل كانت تلك الأرقام دقيقة فعلاً؟ أم أن هناك تضخيماً للمعطيات من أجل امتصاص غضب الشارع وتهدئة الرأي العام؟

الأزمة هذه السنة لم تكن مجرد غلاء عادي، بل كانت انهياراً واضحاً في توازن السوق. فعدد من الأسر المغربية لم تتمكن من شراء الأضحية إطلاقاً، وبعضها اضطر إلى الاقتراض، فيما لجأت أسر أخرى إلى شراء خرفان صغيرة لا تليق حتى بشعيرة دينية لها رمزيتها الاجتماعية والروحية.

الأكثر خطورة أن الغضب الشعبي لم يعد موجهاً فقط نحو المضاربين والكسابة، بل امتد إلى طريقة تدبير الحكومة لهذا الملف، خاصة أن الدولة سبق أن أطلقت برامج دعم للقطاع، وضخت ملايير الدراهم لمواجهة آثار الجفاف والحفاظ على القطيع الوطني.

وهنا يبرز السؤال الحارق: هل فشلت برامج دعم القطيع؟ و هل الحكومة تتجه الى تكريس  “أزمة ثقة”؟؟

إذا كانت الحكومة قد دعمت الأعلاف والاستيراد والمربين، فلماذا لم يشعر المواطن بأي نتيجة؟ ولماذا لم تنخفض الأسعار؟ ولماذا بقيت الأسواق خاوية على عروشها من الخروف و تحت رحمة المضاربين؟ ثم أين ذهبت كل تلك الأموال التي قيل إنها وُجهت لحماية القطيع الوطني؟

إن ما وقع جعل عدداً من المغاربة يتحدثون لأول مرة عن “أزمة ثقة” حقيقية، لأن المواطن حين يسمع تصريحات مطمئنة ثم يصطدم بواقع مختلف تماماً، فإنه يشعر بأن هناك شيئاً ما لا يُقال.

بل إن بعض التصريحات الحكومية ساهمت في تأجيج الغضب بدل تهدئته، لأنها بدت منفصلة عن معاناة الأسر المغربية. فالمواطن الذي يقف عاجزاً أمام خروف يفوق ثمنه راتبه الشهري، لا يريد سماع لغة الأرقام بقدر ما يريد حلولاً ملموسة.

وفي خضم هذا الجدل، عاد بقوة مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي شدد عليه جلالة الملك محمد السادس في أكثر من خطاب. لأن المغاربة اليوم لا يبحثون فقط عن تفسير للأزمة، بل يريدون معرفة من يتحمل مسؤولية هذا الانهيار.

من أخطأ في تقدير الوضع؟ ومن طمأن الرأي العام بأرقام لم تنعكس على الأرض؟ ومن راقب مسارات الدعم؟ ومن ترك الأسواق تتحول إلى غابة للمضاربة والاحتكار؟

ثم كيف يمكن تفسير المفارقة الصادمة بين سنة كاملة لم يُذبح فيها العيد على نطاق واسع حفاظاً على القطيع، وبين عودة الأزمة بشكل أعنف هذا العام؟

لقد كان من المفترض أن تكون السنة الماضية فرصة لإعادة التوازن للقطيع الوطني، لكن ما وقع هذه السنة أوحى للمغاربة بأن الأزمة أعمق بكثير مما قيل لهم، وأن هناك اختلالات حقيقية في تدبير القطاع وفي مراقبة السوق وفي حماية القدرة الشرائية للمواطنين.

إن عيد الأضحى هذه السنة لم يكشف فقط أزمة خروف، بل كشف أزمة تدبير وثقة وتواصل أيضاً. لأن المغاربة لم يعودوا يقتنعون بسهولة بالتصريحات الرسمية، حين تكون الأسواق والواقع اليومي يقولان شيئاً آخر تماماً.

لقد انتهى العيد، لكن آثار الأزمة لن تنتهي بسهولة، لأن ملايين المغاربة خرجوا منه بأسئلة ثقيلة وغضب صامت وإحساس عميق بأن شيئاً ما لم يكن طبيعياً في قصة “خروف العيد” هذه السنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى