عيد الأضحى يفضح أكياس و شطحات عمدة فاس… امتحان النظافة الفاشل يسقط أوهام “الإنجاز” ويغرق المدينة في الأزبال والروائح الكريهة

تحول أول عيد أضحى تحت تدبير شركات النظافة الجديدة بمدينة فاس إلى فضيحة ميدانية مدوية، بعدما كشفت أكوام الأزبال والروائح الكريهة والنقاط السوداء حقيقة الوضع الذي حاولت جماعة فاس وعمدتها عبدالسلام البقالي تسويقه للرأي العام على أنه “نجاح تنظيمي” و”تدبير استثنائي” لواحد من أصعب الملفات المرتبطة بالمدينة.
لكن الواقع كان أقوى من البلاغات والصور الدعائية. فاس عاشت خلال يوم العيد وما تلاه مشاهد صادمة: أطنان من مخلفات الأضاحي مرمية بالأحياء، حاويات غارقة في النفايات، عصارة سوداء تزحف قرب المنازل، وروائح خانقة حولت عدداً من الأحياء إلى بؤر بيئية مقلقة، في وقت خرج فيه العمدة ونوابه في جولات استعراضية لالتقاط الصور وتوزيع الابتسامات أمام عدسات منابر محسوبة سياسياً عليه.
الساكنة لم تكن تحتاج إلى مشاهد تمثيلية ولا إلى حملات تلميع انتخابية مبكرة، بل كانت تنتظر فقط خدمة عمومية تحترم كرامتها. المواطن الفاسي الذي يؤدي ضرائب النظافة والسكنى لم يكن ينتظر من المسؤولين أن يحملوا الأكياس أمام الكاميرات، بل أن يوفروا مدينة نظيفة، وشوارع تُحترم فيها شروط الصحة والسلامة.
وإذا كان عيد الأضحى يعتبر أكبر امتحان سنوي لشركات النظافة والجماعات الترابية، فإن جماعة فاس سقطت فيه سقوطاً مدوياً. لأن المنطق كان يقول إن ميزانية ضخمة ناهزت 22 مليار سنتيم كفيلة بإحداث تحول جذري في القطاع، عبر توفير أسطول قوي، وموارد بشرية كافية، وخطط استباقية سريعة للتعامل مع آلاف الأطنان من مخلفات العيد. غير أن ما وقع كشف أن الأرقام الضخمة لم تُترجم على الأرض إلى نتائج حقيقية.
فكيف يمكن الحديث عن “نجاح” بينما الأزبال ظلت متراكمة إلى حدود اليوم الثاني من العيد؟ وكيف يمكن إقناع الساكنة بوجود “قفزة نوعية” في التدبير، في وقت كانت فيه الأحياء الشعبية والراقية تغرق في الروائح الكريهة والمشاهد المقززة؟ بل كيف يمكن الحديث عن “تدبير نموذجي” بينما عدد كبير من الحاويات تحولت إلى مستنقعات لعصارة النفايات دون تنظيف أو تعقيم أو معالجة؟
لقد سقط خطاب الجماعة أمام قوة الصورة القادمة من الشارع. لأن الصورة الحقيقية لم تكن تلك التي ظهر فيها المنتخبون وهم يلتقطون الصور قرب بعض الحاويات، بل الصورة التي وثقها المواطنون يومياً: أكوام نفايات تحاصر الأرصفة، كلاب ضالة تعبث بمخلفات الأضاحي، ذباب وروائح خانقة، وشاحنات تأخرت بشكل مهول عن أداء مهامها.
والأخطر أن هذا الفشل جاء بعد وعود كبيرة رافقت دخول الشركات الجديدة، حيث تم تقديم الأمر للرأي العام على أنه “بداية عصر الذكاء ” في قطاع النظافة، قبل أن يتضح أن الأزمة أعمق من مجرد تغيير أسماء الشركات، وأن المشكل الحقيقي يكمن في ضعف المراقبة وغياب الصرامة والتدبير العشوائي لقطاع حيوي يمس الحياة اليومية للمواطنين.
إن تدبير النظافة لا يُقاس بالتصريحات ولا بعدد الصور المنشورة على صفحات التواصل الاجتماعي، بل يُقاس بما يراه المواطن في شارعه وحيه. فحين تصبح الأزقة غارقة في الأزبال خلال مناسبة دينية كبرى، فهذا يعني أن هناك خللاً حقيقياً في منظومة التدبير، مهما حاول البعض تجميل الصورة أو الهروب إلى لغة التبرير.
عمدة فاس اليوم مطالب بتقديم إجابات واضحة للساكنة بدل البحث عن انتصارات وهمية. أين ذهبت كل هذه الملايير؟ ولماذا لم تظهر نتائجها على الأرض؟ وكيف عجزت الشركات عن احتواء مخلفات العيد في ظرف ساعات كما يحدث في مدن أخرى؟ ولماذا تُرك المواطن الفاسي يواجه الروائح والنفايات في عز العيد بينما المسؤولون منشغلون بإنتاج صور “الإنجاز”؟
فاس، بتاريخها ومكانتها، لا تستحق أن تتحول إلى مدينة تغرق في النفايات كلما حل عيد أو مناسبة كبرى. ولا تستحق أن يصبح قطاع النظافة مجرد منصة للدعاية السياسية وتصفية الحسابات الانتخابية. المدينة تحتاج إلى مسؤولين يشتغلون بمنطق الخدمة العمومية، لا بمنطق الكاميرا والظهور الإعلامي.
لقد كان عيد الأضحى امتحاناً حقيقياً، وكانت النتيجة واضحة في أعين الساكنة: فشل كبير، ووعود تبخرت، وصورة مدينة عريقة أُغرقت في الأزبال بدل أن تُصان كرامتها ومكانتها.






