سياسة

اكتساح “الأحرار” للانتخابات الجزئية يفتح الطريق نحو شتنبر 2026… محمد شوكي يقود دينامية تشبيب الحزب وحكومة أخنوش تراهن على الحصيلة

أعادت نتائج الانتخابات الجزئية الجماعية التي جرت يوم 5 ماي 2026 رسم ملامح المشهد السياسي المغربي، وفتحت الباب مبكراً أمام قراءة أولية لما قد تحمله الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر المقبل، خاصة بعدما تمكن حزب التجمع الوطني للأحرار من تحقيق نتائج وُصفت بالقوية، عززت موقعه كأحد أبرز الفاعلين السياسيين في المرحلة الراهنة.

ووفق المعطيات الرسمية المرتبطة بهذه الاستحقاقات الجزئية، فقد نجح الحزب في الظفر بـ102 مقاعد من أصل 139 ترشيحاً، بنسبة نجاح بلغت 73 في المائة، وهي نتائج اعتبرها متابعون مؤشراً سياسياً مهماً على استمرار الحضور التنظيمي والميداني للحزب، وعلى احتفاظه بجزء مهم من رصيده الانتخابي رغم السياق الاجتماعي والاقتصادي المعقد.

ولا ينظر إلى هذه الانتخابات باعتبارها مجرد استحقاقات محلية محدودة، بل يراها مراقبون بمثابة “بارومتر سياسي” يكشف اتجاهات المزاج الانتخابي العام قبل أشهر قليلة من الانتخابات التشريعية، خاصة أن عدداً من الأحزاب تعتبر هذه المحطات اختباراً حقيقياً لقدرتها على تعبئة قواعدها والحفاظ على امتدادها الترابي.

وفي قلب هذه الدينامية، برز اسم محمد شوكي، رئيس الحزب، الذي بات يمثل أحد أبرز الوجوه السياسية الصاعدة داخل المشهد الحزبي الوطني، بعدما اختار التجمع الوطني للأحرار الرهان على جيل جديد من القيادات السياسية الشابة، في خطوة اعتبرها متابعون تجربة غير مألوفة داخل الحياة الحزبية المغربية.

ففي الوقت الذي ظلت فيه عدة أحزاب تقليدية مرتبطة بقيادات تاريخية أو وجوه سياسية استهلكها الزمن الانتخابي، اتجه “الأحرار” نحو تشبيب القيادة السياسية عبر الدفع بمحمد شوكي إلى واجهة الحزب، في رسالة واضحة تعكس رغبة التنظيم في تجديد النخب وتطوير خطابه السياسي والتنظيمي بما ينسجم مع التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.

وخلال الفترة الأخيرة، ظهر شوكي بصورة السياسي القريب من الميدان، المعتمد على التواصل المباشر والاشتغال الهادئ بعيداً عن الشعبوية أو الخطابات التصادمية، حيث ركز على قضايا التنمية المحلية والاستثمار والتشغيل والسياسات الاجتماعية، مع تقديم الحزب كقوة اقتراحية ومؤسساتية تشتغل وفق رؤية واضحة ومستقرة.

ويرى متابعون أن النتائج المحققة في الانتخابات الجزئية لم تأت فقط بفعل التنظيم الحزبي، بل ترتبط أيضاً بصورة الحكومة الحالية التي يقودها عزيز أخنوش، والتي استطاعت، بحسب داعميها، الحفاظ على تماسكها ومواصلة تنزيل عدد من الأوراش الكبرى رغم الظرفية الدولية الصعبة.

فالحكومة الحالية وجدت نفسها، منذ بداية ولايتها، أمام تحديات معقدة مرتبطة بتداعيات جائحة كورونا، وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأساسية، والتضخم والجفاف والتوترات الاقتصادية العالمية، إضافة إلى ما يعتبره أنصار الأغلبية “إرثاً ثقيلاً” خلفته الحكومات السابقة، خاصة خلال فترة قيادة حزب العدالة و التنمية للحكومة.

ويعتبر عدد من الفاعلين السياسيين والاقتصاديين أن المرحلة السابقة عرفت اتخاذ قرارات اجتماعية واقتصادية أثرت بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، من قبيل رفع الدعم عن المحروقات، وإصلاح أنظمة التقاعد، وتجميد عدد من الملفات الاجتماعية، وهي القرارات التي خلفت احتقاناً اجتماعياً استمر لسنوات.

في المقابل، حاولت الحكومة الحالية تقديم نفسها كحكومة ذات بعد اجتماعي واضح، من خلال إطلاق أوراش كبرى مرتبطة بتعميم الحماية الاجتماعية، والدعم المباشر للأسر، وإصلاح المنظومة الصحية، والرفع التدريجي للأجور، إلى جانب دعم الاستثمار الوطني والأجنبي وتحفيز التشغيل.

كما سجلت الحكومة حضوراً لافتاً على مستوى جذب الاستثمارات الخارجية، خاصة في القطاعات الصناعية والطاقية، وهو ما عزز صورة المغرب كوجهة اقتصادية مستقرة داخل المنطقة، ورفع منسوب الثقة الدولية في الاقتصاد الوطني.

ويؤكد متابعون أن أحد عناصر قوة التجمع الوطني للأحرار خلال المرحلة الحالية يتمثل في حرصه على ربط العمل الحكومي بالتوجيهات الملكية السامية، خاصة في ما يتعلق بورش الدولة الاجتماعية، وتقوية الاستثمار، وتحقيق العدالة المجالية، وتعزيز البنيات التحتية والخدمات العمومية.

كما أن الحزب نجح، وفق مراقبين، في بناء صورة تنظيم سياسي يعتمد على القرب من المواطنين والإنصات لانشغالاتهم، من خلال حضور قوي داخل الجماعات الترابية والجهات والغرف المهنية، وهو ما منحه امتداداً ميدانياً واضحاً ساهم في تحقيق هذه النتائج الانتخابية.

وتشير قراءات سياسية إلى أن اكتساح الحزب للانتخابات الجزئية يعكس أيضاً رغبة جزء من الناخبين في استمرارية المشاريع والإصلاحات التي أطلقتها الحكومة الحالية، خصوصاً تلك المرتبطة بالحماية الاجتماعية والبنيات التحتية والاستثمار والتشغيل، باعتبارها ملفات ترتبط بشكل مباشر بالحياة اليومية للمواطنين.

وفي المقابل، تبدو المعارضة السياسية، وفق متابعين، أمام تحديات تنظيمية وخطابية حقيقية، خاصة في ظل عدم قدرتها حتى الآن على بناء خطاب سياسي موحد قادر على منافسة الأغلبية أو تقديم بدائل واضحة ومقنعة للرأي العام.

كما أن تراجع عدد من الأحزاب التقليدية خلال الانتخابات الجزئية يعكس، بحسب محللين، تحولات أعمق يعرفها المشهد الحزبي المغربي، حيث أصبح الناخب أكثر ارتباطاً بمنطق النجاعة والإنجاز الميداني، وأقل اقتناعاً بالشعارات السياسية التقليدية.

ويرى مراقبون أن شتنبر 2026 لن يكون مجرد موعد انتخابي عادي، بل محطة مفصلية ستحدد ملامح المرحلة السياسية المقبلة بالمغرب، خاصة في ظل الرهانات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي تنتظر البلاد، من قبيل تعزيز الأمن المائي والطاقي، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وجلب الاستثمارات، وخلق فرص الشغل.

وبين رهان الحصيلة الحكومية، ودينامية تشبيب القيادة السياسية، واستمرار الحضور التنظيمي القوي ميدانياً، يبدو أن التجمع الوطني للأحرار يدخل مبكراً أجواء المعركة الانتخابية المقبلة بثقة واضحة، مستفيداً من نتائجه الأخيرة ومن صورة حزب يسعى إلى تقديم نفسه كقوة سياسية للاستقرار والإصلاح والتنمية.

وفي انتظار ما ستكشف عنه الأشهر المقبلة من تحالفات وتحولات، تبقى الانتخابات الجزئية الأخيرة رسالة سياسية قوية مفادها أن المزاج الانتخابي بالمغرب بدأ يرسم معالم مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز: عودة السياسة المرتبطة بالإنجاز والتنظيم والحضور الميداني إلى واجهة التنافس الحزبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى