شوارع فاس تشتعل باحتجاجات التعليم الأولي… مسيرات غاضبة تعيد صوت النضال إلى العاصمة العلمية

عاشت شوارع فاس، أمس الأربعاء، على وقع احتجاجات صاخبة ومسيرات غاضبة قادها العشرات من أستاذات وأساتذة التعليم الأولي القادمين من جهات فاس مكناس وطنجة تطوان الحسيمة والشرق، في مشهد أعاد الحيوية إلى الشارع الاحتجاجي بالعاصمة العلمية، وأعاد معه النقاش حول الأوضاع الاجتماعية والمهنية لفئة طالما اشتغلت في صمت بعيداً عن الأضواء.
وانطلقت المسيرة الاحتجاجية من شارع الحسن الثاني، وسط شعارات قوية ومطالب غاضبة، عبّر من خلالها المحتجون عن رفضهم لما وصفوه باستمرار “الحكرة والتهميش” الذي يطال العاملين بقطاع التعليم الأولي، في ظل ما يعتبرونه غياباً لتفاعل جدي من طرف وزارة التربية الوطنية مع ملفهم المطلبي الذي ظل معلقاً لسنوات.
ورفع المشاركون شعارات تطالب بالإدماج في الوظيفة العمومية، وتحسين الأجور وظروف العمل، وإنهاء ما يعتبرونه “هشاشة مقننة” تُدار عبر جمعيات مفوض لها تدبير القطاع، في وقت يقوم فيه أساتذة التعليم الأولي بأدوار تربوية أساسية داخل المنظومة التعليمية، رغم هشاشة وضعهم الإداري والاجتماعي.
وأكد عدد من المحتجين أن هذه الفئة تعيش أوضاعاً صعبة، رغم أن نسبة كبيرة من العاملين بالتعليم الأولي تتوفر على شواهد جامعية وكفاءات أكاديمية، غير أن السياسات المتعاقبة، حسب تعبيرهم، دفعت بهم إلى العمل في ظروف تفتقر للاستقرار المهني والكرامة الاجتماعية، بأجور لا تتجاوز في كثير من الأحيان 3000 درهم، مقابل ساعات عمل طويلة ومهام متعددة تتجاوز الجانب التربوي.
وفي تصريحات متفرقة خلال الوقفة، تحدث عدد من الأساتذة عن معاناة يومية “صامتة” امتدت لسنوات، في ظل غياب التغطية الاجتماعية الكافية وضعف الأجور وغياب آفاق الترقية والاستقرار، معتبرين أن الوزارة الوصية ظلت تتعامل مع الملف بمنطق التأجيل والترحيل بدل فتح حوار جدي ومسؤول ينهي حالة الاحتقان.
كما أثار المحتجون ملف المتقاعدين من القطاع، والذين يجد عدد منهم أنفسهم بعد سنوات طويلة من العمل أمام معاشات هزيلة لا تتجاوز أحياناً 800 درهم، في صورة تعكس هشاشة القطاع وغياب رؤية اجتماعية واضحة لحماية العاملين فيه.
وشهدت المسيرة حضوراً لافتاً للإطارات النقابية والتنسيقيات التعليمية، التي اعتبرت أن ما يعيشه التعليم الأولي اليوم هو نتيجة تراكمات طويلة من السياسات العمومية المرتبطة بالتفويض والتعاقد والهشاشة، داعية إلى مراجعة شاملة لهذا الورش الذي يمثل حجر الأساس داخل المنظومة التربوية.
ويرى متابعون أن احتجاجات فاس الأخيرة تعكس عودة قوية للشارع الاجتماعي والاحتجاجي، بعد فترة من الهدوء النسبي، خاصة في ظل تنامي الإحساس بالإجهاد الاجتماعي داخل عدد من القطاعات المرتبطة بالتعليم والشغل والقدرة الشرائية. كما تعيد هذه الاحتجاجات إلى الواجهة النقاش حول مآلات عدد من الإصلاحات والسياسات التي طبعت السنوات الماضية، والتي خلفت، وفق فاعلين نقابيين، أوضاعاً مهنية هشة لفئات واسعة من الشغيلة التعليمية.
ولم تخلُ الاحتجاجات من رسائل سياسية واجتماعية واضحة، حيث اعتبر مشاركون أن شوارع فاس استعادت جزءاً من روحها النضالية التي ميزتها تاريخياً، باعتبارها مدينة ارتبط اسمها دائماً بالحراك الطلابي والنقابي والاحتجاجات الاجتماعية، مؤكدين أن استمرار تجاهل المطالب قد يدفع نحو مزيد من التصعيد خلال المرحلة المقبلة.
وفي المقابل، يطالب فاعلون تربويون بضرورة التعامل مع ملف التعليم الأولي باعتباره قضية استراتيجية تمس مستقبل المدرسة العمومية، لا مجرد ملف اجتماعي عابر، خاصة وأن هذا السلك يشكل الحلقة الأولى في بناء المسار التعليمي للأطفال، ما يفرض، بحسبهم، تحسين أوضاع العاملين به وتوفير شروط الاستقرار والتحفيز المهني.
وبين شعارات الغضب وأصوات المحتجين التي صدحت بقلب شارع الحسن الثاني، بدا واضحاً أن ملف التعليم الأولي لم يعد يحتمل مزيداً من التأجيل، وأن الرسائل القادمة من شوارع فاس تحمل إنذاراً جديداً بعودة الاحتقان الاجتماعي إلى الواجهة، في انتظار ما إذا كانت الوزارة الوصية ستختار فتح باب الحوار، أم استمرار سياسة الصمت التي يشكو منها المحتجون.






