الإطاحة بمسؤول جهوي بالصحة يفتح ملف الاختلالات.. قطاع تحت الضغط بين الاحتجاجات وضرورة إصلاح الحكامة

أقدمت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية على إعفاء المدير الجهوي للصحة بجهة العيون الساقية الحمراء من مهامه، في خطوة تعكس حجم التوترات التي يعيشها قطاع الصحة على المستوى الجهوي، وذلك في سياق يتسم بتراكم شكايات مرتبطة بالتسيير الإداري والمهني داخل عدد من المؤسسات الصحية، وعلى رأسها المستشفى الجهوي مولاي الحسن بن المهدي.
ويأتي هذا القرار في وقت يعرف فيه القطاع الصحي بالجهة حالة احتقان غير مسبوقة، نتيجة تداخل مجموعة من العوامل المرتبطة بسوء التدبير، وضعف التنسيق الإداري، وارتفاع منسوب الاحتجاجات النقابية التي نبهت إلى تدهور ظروف العمل وتراجع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن المستشفى الجهوي عرف خلال الفترة الأخيرة اختلالات على مستوى التسيير الداخلي، شملت صعوبات في تدبير الموارد البشرية، وارتباكاً في تنظيم العمل اليومي، إلى جانب صراعات مهنية داخلية أثرت بشكل مباشر على السير العادي للمرفق الصحي، في مؤسسة يُفترض أن تكون في قلب الخدمة العمومية الأساسية.
وتزامن هذا الوضع مع تصاعد الاحتجاجات النقابية، حيث خاضت الأطر الصحية المنضوية تحت لواء الجامعة الوطنية لقطاع الصحة سلسلة من الوقفات والاعتصامات، احتجاجاً على ما وصفته بتدهور الأوضاع المهنية وغياب شروط العمل اللائق، وهو ما أدى في إحدى المحطات إلى تدخل أمني بعد اقتحام محيط المستشفى، في مشهد يعكس حجم التوتر القائم بين مختلف الأطراف.
وتشير المعطيات أيضاً إلى أن قرار الإعفاء تم بشكل مباشر، مع تكليف إطار إداري من داخل الجهة بتسيير المديرية بشكل مؤقت، في انتظار تعيين مسؤول جديد، في خطوة تعكس محاولة لاحتواء الوضع وإعادة ترتيب هياكل التدبير على المستوى الجهوي.
غير أن هذا الإجراء، رغم أهميته، يفتح نقاشاً أوسع حول طبيعة الحكامة داخل القطاع الصحي، وحدود نجاعة آليات المراقبة والتتبع، خاصة في ظل تكرار حالات مماثلة في عدد من الجهات، ما يطرح تساؤلات حول مدى فعالية منظومة التدبير الحالية في ضمان الجودة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما أن استمرار التوتر داخل بعض المؤسسات الصحية يعكس الحاجة الملحة إلى إعادة هيكلة شاملة لآليات التسيير، تقوم على معايير الكفاءة والاستحقاق، بدل منطق التدبير التقليدي الذي قد يسمح في بعض الحالات بتراكم الاختلالات دون تدخل استباقي.
وفي السياق ذاته، تؤكد التطورات الأخيرة أن إصلاح القطاع الصحي لم يعد خياراً تقنياً فقط، بل أصبح ضرورة استعجالية مرتبطة مباشرة بالأمن الاجتماعي والصحي للمواطنين، خاصة في المناطق التي تعرف خصاصاً في الموارد البشرية والبنيات التحتية.
ومن المنتظر أن تشهد الجهة خلال الأيام المقبلة تحركات على مستوى الإدارة المركزية، مع برمجة زيارات لفرق مختصة قصد تقييم الوضع القائم، في محاولة لاحتواء الاحتقان وفتح قنوات حوار مع الفاعلين النقابيين، في أفق إيجاد حلول عملية ومستدامة.
ويبرز من خلال هذا الوضع أن المرحلة الحالية تستدعي تفعيل رقابة مؤسساتية أكثر صرامة وفعالية، بعيدة عن أي اعتبارات غير مهنية، مع تعزيز آليات التفتيش والتقييم المستمر، بما يضمن تحسين جودة الخدمات الصحية واستعادة ثقة المواطنين في المرفق العمومي.
وفي المحصلة، فإن إعفاء المسؤول الجهوي لا يمثل سوى حلقة في سلسلة من التحديات التي يعيشها القطاع، والتي تفرض اليوم أكثر من أي وقت مضى مراجعة شاملة لمنظومة التدبير الصحي، بما يضمن حكامة قائمة على الشفافية، والفعالية، وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي وملموس.






