المغرب “بلا زواق”: أسواق فاس-مكناس تغرق في وحل الإهمال.. أين تبخرت وعود التنمية؟

بينما تتزين الواجهات الكبرى للمدن بالمشاريع الفاخرة والمباني الشاهقة، تكشف الأمطار الضعيفة واقعًا مغايرًا تمامًا: مغرب السرعتين، حيث تتحول الأسواق الأسبوعية في جهة فاس-مكناس إلى مشاهد مأساوية تعكس عمق الإهمال وغياب الرؤية لدى المجالس المنتخبة.
أسواق مغمورة بالأوحال: كرامة المواطن على المحك
تقدم الأسواق الأسبوعية، قلب الاقتصاد المحلي في القرى والمداشر، مشهداً صادمًا: خضر وفواكه موضوعة وسط برك مائية وآسنة، وأوحال تغرق أقدام الباعة والمواطنين على حد سواء. غياب أبسط شروط السلامة الصحية والبنية التحتية الأساسية يحوّل هذه الفضاءات الحيوية إلى خطر يهدد الصحة العامة، ويضع كرامة المواطن في الميزان.
إن هذه الصورة لا تفضح فقط ضعف التجهيزات، بل تسائل ضمير المسؤولين والجماعات المنتخبة: كيف يمكن القبول بأن يقضي المواطنون يومهم وسط القاذورات بينما المسؤولون يتابعون التقارير من مكاتب مكيفة؟
الجماعات الترابية المنتخبة: غياب الرؤية وفشل التدبير
المسؤولية المباشرة تقع على عاتق المجالس الجماعية المنتخبة، التي يبدو أن قدرتها على إدارة الفضاءات الاقتصادية الحيوية تقتصر على تحصيل الرسوم والضرائب، دون أن تخصص جزءاً يسيراً من ميزانياتها لتحسين البنية التحتية أو تأهيل الأسواق.
النتيجة واضحة: الأسواق تتحول من فضاءات للرواج الاقتصادي إلى نقاط سوداء موبوءة تهدد الصحة العامة وتعرقل الحركة اليومية للسكان والزوار. هذه السياسات الترقيعية، التي تلجأ أحيانًا إلى ردم الحفر بالتراب والحجارة (“التوفنة”)، تثبت عدم جدية المشاريع المحلية في الاستجابة لاحتياجات المواطنين.
مغرب السرعتين: تفاوت ينخر التنمية
الصورة أعلاه هي تجسيد صارخ لمفهوم “مغرب السرعتين”:
-
مراكز حضرية راقية، مجهزة بأحدث البنيات التحتية، مستعدة لاستقبال التظاهرات العالمية.
-
هامش نسيه المسؤولون، حيث الأسواق تظل مهملة، الطرقات متدهورة، وشبكات الصرف شبه معدومة، والساكنة القروية تتخبط في كل تقلب مناخي.
هذا التفاوت الطبقي والمجالي يضع أمام الحكومة سؤالاً مباشراً حول عدالة توزيع المشاريع والخدمات، خصوصاً في جهة فاس-مكناس التي تحوي أقاليمًا كثيرة مازالت تكافح من أجل الحد الأدنى من البنية الأساسية.
النموذج التنموي الجديد: من الورق إلى الواقع
لقد آن الأوان لنقل النموذج التنموي الجديد من خانة “الوعود” إلى أرض الواقع. تأهيل الأسواق الأسبوعية يجب أن يصبح أولوية وطنية عاجلة، بعيدًا عن الشعارات الانتخابية والتجميل الإعلامي.
تأهيل هذه الفضاءات ليس رفاهية، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية: توفير بيئة نظيفة وآمنة للباعة والمستهلكين، وضمان انسيابية الأنشطة الاقتصادية اليومية، وحماية الصحة العامة.
دعوة عاجلة للسلطات
إن استمرار الإهمال والتحايل على المسؤوليات يستدعي تدخل وزارة الداخلية وولاية الجهة لإلزام المجالس الجماعية بتحمل مسؤولياتها، وفرض خطط إعادة هيكلة حقيقية للأسواق، تشمل:
-
تبليط الأرضيات وإنشاء شبكات صرف صحي فعالة.
-
مراقبة جودة المنتجات وصلاحية المواد الغذائية.
-
استثمارات حقيقية تتجاوز الترقيعات المؤقتة، لتأهيل شامل ومستدام.
مغرب بلا زواق
إن الصورة القادمة من أسواق جهة فاس-مكناس ليست مجرد لوحة حزينة، بل إنذار حقيقي للحكومة والمجالس المحلية: التنمية لا تبنى على الأوحال، والكرامة لا تُستعاد إلا بإرادة سياسية قوية ومسؤولة.
“المغرب بلا زواق” ليس شعارًا، بل واقع يجب تغييره فورًا، لضمان أن يصل “بسطاء الوطن” إلى مستوى العيش الكريم الذي يكفله لهم الدستور والتوجيهات الملكية السامية.






