سياسة

كفى “تمسحاً” بأوهام الأخوة: المغرب “الجزيرة” الذي أرعبهم بنجاحه!

مقال رأي: عبدالله مشواحي الريفي

انتهى العرس الإفريقي، لكن ما انكشف خلاله أكبر من بطولة وأعمق من مباراة. سقطت أقنعة كثيرة، وظهرت وجوه اعتادت الاحتماء بخطاب “المظلومية” كلما خانها الأداء وعجزت عن مجاراة الواقع. المغرب، بهدوئه المعتاد، لم يحتفل فقط بتنظيم قاري ناجح، بل وضع الجميع أمام مرآة الحقيقة: دولة تعرف ما تريد، ومشروعًا لا يُدار بالعواطف بل بالعقل، وريادة إفريقية لم تعد تقبل التشكيك أو المزايدة.

بينما انشغل آخرون بالبحث عن شماعات يعلّقون عليها إخفاقاتهم، كان المغرب يشتغل بمنطق الدولة: بنية تحتية تضاهي كبريات الدول، تنظيم محكم، ورسالة سياسية واضحة مفادها أن الزمن تغيّر، وأن إفريقيا الجديدة تُبنى بالفعل لا بالصراخ.

فخ “الانتصار القانوني”… ولماذا اختار المغرب الربح الأكبر

كثيرون تساءلوا: لماذا لم يتمسّك المغرب بحقه القانوني في الفوز بالمباراة النهائية، عقب انسحاب المنتخب السنغالي احتجاجًا على ركلة جزاء صحيحة لا جدال فيها؟
الجواب لا يوجد في دفاتر القوانين، بل في حسابات الدولة.

المغرب لم يكن ينافس من أجل “كأس” تُرفع في أمسية، بل من أجل صورة وطن تُراكم على مدى عقود. كان يدرك أن الانتصار بالقانون، في سياق مشحون ومشبّع بسوء النية، كان سيحوّل لحظة التتويج إلى أزمة سياسية، ويمنح المتربصين مادة دسمة للتشكيك، ويُسمّم علاقات إفريقية بُنيت بالصبر والعمل لا بالشعارات.

اختار المغرب أن يخسر قطعة معدنية، ليربح رأسمالًا استراتيجيًا: الثقة، والاحترام، والمكانة. ترك الآخرين يغرقون في احتجاجاتهم، وخرج هو منتصرًا في معركة أكبر: معركة الصورة والنفوذ.

جيران الحقد المزمن… وعقدة “البرّاني”

قال عبد الله العروي يومًا إن “المغرب جزيرة”، وهي عبارة لم تكن جغرافية بقدر ما كانت سياسية ونفسية. فالمغرب، تاريخيًا، محاط بجوار يعاني من أزمات هوية، ويبحث دائمًا عن شماعة خارجية يعلّق عليها فشله.

جار شرقي يرفع شعارات النزاهة وهو غارق في الفساد، وأصوات شمال إفريقية لم تجد ما تنتقده سوى “ناموس المغرب” بعدما عجزت عن اختراق تنظيمه أو التشكيك في حسن ضيافته. أمام هذا المشهد، يبرز سؤال مؤلم: لماذا لا يزال المغرب يعاني من عقدة انتظار الاعتراف من الآخرين؟

نحن شعب يُفرط في إكرام الضيف، حتى لو كان سيئ النية. نجمّل بيوتنا للغرباء، ونقسو على أنفسنا، في كرم تحوّل أحيانًا إلى دونية نفسية وإدارية، جعلتنا نبحث عن التصفيق بدل الاكتفاء بالإنجاز.

ذاكرة كروية مثقوبة… وأساطير زمن “البيع والشراء”

يتغنّى البعض بألقاب السبعينات والثمانينات، وكأن الذاكرة الإفريقية خالية من الحقائق. تلك الحقبة التي كان فيها الفوز يُحسم في مكاتب مظلمة، في زمن عيسى حياتو، حيث لا تقنية “فار” ولا كاميرات، بل صفقات وحكام يُوجّهون النتيجة حيث تدفع الأموال.

اليوم تغيّر المشهد. في مغرب العيون المفتوحة، لم يعد التلاعب ممكنًا، وأصبح كل شيء مكشوفًا. وهذا بالضبط ما أرعبهم. دخلت بعض المنتخبات البطولة وهي تُعدّ خطاب المظلومية قبل صافرة البداية، لا بحثًا عن الفوز، بل سعيًا لإفساد فرحة مغرب نجح حيث فشلوا.

“اللهم كثر حسادنا”… حين يصبح الحسد دليل قوة

لم يكن الدعاء الملكي “اللهم كثر حسادنا” مجرد عبارة بلاغية، بل توصيفًا دقيقًا للواقع. فالحسد لا يلاحق المتعثرين، بل يطارد من يشيد الملاعب، ويُطلق القطارات السريعة، ويبني القناطر، بينما لا يزال غيره عالقًا في طوابير الحليب والزيت.

ومن هنا، تبرز دروس واضحة لا تحتمل التأجيل:

  • المحيط الأطلسي هو الجار الأكثر صدقًا؛ أما البقية فالعلاقات معهم تُدار بالحذر لا بالأوهام.

  • لا لتهويل حجم الآخرين: كل طرف يجب أن يُوضع في حجمه الطبيعي، دون انتظار تصفيق أو اعتراف.

  • تطهير الداخل أولوية: حماية صورة المغرب من المتسلقين وبائعي الأوهام الذين يضخّمون أعطابنا لإرضاء الخارج، أخطر من أي خصم خارجي.

 لا بكاء بعد اليوم… “الوقت بغات المعقول”

انتهى زمن البكاء على أطلال أخوّة زائفة. المغرب اليوم لا يحتاج إلى تبرير نجاحه، ولا إلى شهادة حسن سلوك من أحد. من أراد اللحاق بنا فالميدان مفتوح، ومن اختار البكاء فليبحث عن مناديل خارج حدودنا.

نحن في جزيرة القوة، والعمل الجاد هو السلاح الوحيد في مواجهة الحسد والعداء. القافلة تمضي، والضجيج يعلو…
أما الذين حرثوا بالجمل، فلا ينبغي أن يُشغلوا أنفسهم بنباح الصغار.

الرسالة واضحة: المغرب يتقدّم، ومن لم يستوعب الدرس فالتاريخ لن ينتظره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى