من رماد الأزمات إلى مؤشرات الصعود.. كيف نجحت حكومة أخنوش في إنقاذ الاقتصاد المغربي بعد “العشرية العجاف”؟

لم يكن وصول حكومة عزيز أخنوش إلى تدبير الشأن العام سنة 2021 مجرد انتقال سياسي عادي، بل جاء في واحدة من أصعب اللحظات التي عرفها المغرب والعالم منذ عقود، بعدما تسلمت الأغلبية الحكومية الحالية بلداً مثقلاً بتداعيات جائحة كورونا، واقتصاداً منهكاً بفعل سنوات من الارتباك السياسي والتردد الاقتصادي الذي طبع مرحلة حكومتي حزب حزب العدالة والتنمية، وهي المرحلة التي بات كثير من المتابعين يصفونها بـ”العشرية العجاف” بالنظر إلى حجم الأعطاب الاجتماعية والاقتصادية التي تراكمت خلالها.
فالحكومة الحالية لم تبدأ من نقطة الصفر، بل انطلقت من وضعية استثنائية اتسمت بارتفاع المديونية، وتباطؤ النمو، وتراجع الاستثمار، وتآكل الطبقة الوسطى، ثم جاءت الصدمات الدولية المتلاحقة لتزيد المشهد تعقيداً؛ من تداعيات جائحة كورونا، إلى الحرب الروسية الأوكرانية التي فجرت أسعار الطاقة والقمح والنقل عالمياً، وصولاً إلى سنوات الجفاف القاسية، ثم كارثة زلزال الحوز التي فرضت تعبئة وطنية ضخمة واستنزفت موارد مالية ولوجستيكية هائلة.
ورغم هذا السياق الدولي والداخلي شديد القسوة، تكشف الأرقام الرسمية الواردة في كتاب الحصيلة الحكومية “5 سنوات من العمل في خدمة الوطن”، أن المغرب تمكن من تحقيق تحول اقتصادي لافت أعاد الثقة للمؤسسات الدولية وللمستثمرين، ورسخ قدرة الدولة المغربية على الصمود والتكيف مع الأزمات.
نمو اقتصادي مضاعف بعد سنوات الركود
أولى الرسائل القوية التي تحملها الحصيلة الحكومية تتجلى في القفزة المسجلة في معدل النمو الاقتصادي، حيث بلغ متوسط النمو خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025 حوالي 4,5 في المائة، مقابل 2,4 في المائة فقط خلال الفترة ما بين 2017 و2021.
هذه الأرقام لا تعني مجرد تحسن تقني في المؤشرات، بل تعكس انتقال الاقتصاد الوطني من حالة شبه ركود إلى دينامية إنتاجية جديدة، خاصة في القطاعات غير الفلاحية التي سجلت بدورها معدل نمو بلغ 4,5 في المائة، في وقت كانت فيه قطاعات بأكملها عبر العالم تنهار تحت ضغط التضخم والحروب واضطرابات سلاسل الإمداد.
ويرى متتبعون أن الفارق الجوهري بين المرحلتين يكمن في طبيعة المقاربة؛ فبينما اتُّهمت الحكومات السابقة بالاكتفاء بالشعارات السياسية والصراعات الإيديولوجية، اختارت حكومة أخنوش منطق التدبير والاستثمار وتحريك الاقتصاد الواقعي، بعيداً عن الخطابات الشعبوية التي استهلكت سنوات طويلة دون أثر تنموي ملموس.
استثمار عمومي غير مسبوق.. والدولة تعود بقوة إلى الاقتصاد
واحدة من أبرز نقاط القوة في الحصيلة الحكومية الحالية تتمثل في الرفع غير المسبوق لحجم الاستثمار العمومي، الذي انتقل من 230 مليار درهم سنة 2021 إلى حوالي 380 مليار درهم سنة 2026.
هذا الارتفاع الضخم لم يكن مجرد رقم في وثيقة مالية، بل شكل محركاً حقيقياً لتحريك عجلة الاقتصاد الوطني، وإنعاش المقاولات، وتحفيز الطلب الداخلي الذي سجل بدوره نمواً سنوياً بلغ 5,2 في المائة.
وفي الوقت الذي كانت فيه العديد من الدول تتجه نحو التقشف بعد كورونا، اختار المغرب بقيادة جلالة الملك محمد السادس ورؤية الحكومة الحالية ضخ استثمارات ضخمة في البنيات التحتية، والحماية الاجتماعية، والماء، والطاقة، والصناعة، وهو ما جنب البلاد الدخول في حالة انكماش اقتصادي حاد.
التشغيل.. أرقام تقلب المعادلة
الانتقادات التي كانت تُوجه لحكومة أخنوش بخصوص التشغيل تصطدم اليوم بمعطيات رسمية صعبة التجاهل؛ إذ تم إحداث حوالي 850 ألف منصب شغل غير فلاحي بين 2021 و2025، بمعدل سنوي بلغ 170 ألف منصب.
وللمقارنة فقط، فإن المعدل السنوي لإحداث مناصب الشغل خلال فترة 2016-2021 لم يتجاوز 90 ألف منصب، بينما لم يتعد 64 ألف منصب سنوياً خلال الفترة ما بين 2011 و2016.
هذه الأرقام تؤكد أن الاقتصاد المغربي بدأ يستعيد قدرته على خلق الثروة وفرص العمل، رغم فقدان نحو 105 آلاف منصب شغل فلاحي سنوياً بسبب توالي سنوات الجفاف، وهي معطيات تكشف حجم الضغط الذي واجهته الحكومة الحالية مقارنة بالحكومات السابقة التي اشتغلت في ظروف دولية أقل تعقيداً.
حكومة واجهت “كورونا” والحرب والزلازل.. لا حكومة رفاه اقتصادي
من السهل إطلاق الأحكام السياسية بعيداً عن الأرقام، لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن حكومة أخنوش اشتغلت وسط حقل ألغام اقتصادي عالمي.
فالعالم بأسره عاش بعد كورونا موجات تضخم غير مسبوقة، وارتفاعاً مهولاً في أسعار المحروقات والمواد الأساسية، وانهيار سلاسل التوريد، بينما وجدت الحكومة المغربية نفسها مطالبة في الآن ذاته بتمويل ورش الحماية الاجتماعية، ودعم القدرة الشرائية، وإعادة إعمار مناطق زلزال الحوز، ومواصلة الاستثمارات الكبرى.
ورغم ذلك، نجح المغرب في خفض معدل التضخم من 6,6 في المائة سنة 2022 إلى 0,8 في المائة سنة 2025، وهو مؤشر مهم على استعادة التوازنات الاقتصادية والتحكم التدريجي في الأسعار، مقارنة بعدد من الاقتصادات التي ما تزال تعاني من تضخم مرتفع.
المالية العمومية تستعيد توازنها
الحصيلة الحكومية تكشف أيضاً تحسناً واضحاً في المؤشرات المالية، بعدما ارتفعت الموارد الجبائية إلى 342 مليار درهم سنة 2025، بزيادة بلغت 59 في المائة مقارنة بسنة 2021.
كما ينتظر أن يتراجع عجز الميزانية إلى 3 في المائة سنة 2026، مقابل 5,5 في المائة سنة 2021، في حين سينخفض دين الخزينة إلى 65,9 في المائة بعدما بلغ 71,4 في المائة سنة 2022.
وهي مؤشرات يعتبرها خبراء دليلاً على نجاح المغرب في استعادة التوازنات الماكرو اقتصادية، رغم الإنفاق الاجتماعي الضخم والظروف الدولية الصعبة.
المغرب يستعيد ثقة العالم
التحولات الاقتصادية لم تمر دون انتباه المؤسسات الدولية، إذ تمكن المغرب من الخروج من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي “GAFI” سنة 2023، كما استعاد تصنيف “درجة الاستثمار” سنة 2025، وهو تصنيف بالغ الأهمية بالنسبة لجاذبية البلاد للاستثمارات الأجنبية.
كما رفعت وكالة “موديز” نظرتها المستقبلية للمغرب من “مستقرة” إلى “إيجابية”، بينما أشاد صندوق النقد الدولي بمرونة الاقتصاد المغربي وقدرته على الصمود.
وتكشف الأرقام أيضاً ارتفاع مداخيل الاستثمارات الأجنبية إلى 56 مليار درهم سنة 2025، مقابل 32,5 مليار درهم فقط سنة 2021، إلى جانب وصول احتياطات العملة الصعبة إلى أكثر من 443 مليار درهم.
السياحة والتحويلات والصادرات.. المغرب يربح رهاناته
في قطاع السياحة، بلغت عائدات السفر 138 مليار درهم سنة 2025، مقارنة بـ78,7 مليار درهم سنة 2019، وهو ما يعكس الاستعادة القوية لثقة السياح الدوليين في الوجهة المغربية.
كما ارتفعت تحويلات مغاربة العالم إلى 122 مليار درهم، بينما قفزت صادرات السلع إلى 469 مليار درهم سنة 2025، مقابل 284 مليار درهم سنة 2019، في مؤشر واضح على تحسن تنافسية الاقتصاد الوطني.
بين منطق الدولة ومنطق الشعبوية
اليوم، ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، يبدو أن النقاش السياسي لم يعد فقط حول الشعارات، بل حول الأرقام والنتائج.
فبين مرحلة وُصفت بكثرة الصراعات الإيديولوجية وضعف الجرأة الاقتصادية، ومرحلة تواجه أعنف الأزمات الدولية منذ عقود لكنها تحقق نمواً واستثمارات ومؤشرات مالية إيجابية، يبرز سؤال جوهري داخل الساحة السياسية المغربية: هل نجحت حكومة أخنوش في إعادة بناء الثقة في الاقتصاد الوطني بعد سنوات من التردد؟
الأكيد أن الحصيلة الرقمية الحالية، رغم كل الإكراهات، تكشف أن المغرب تمكن من الحفاظ على توازنه وسط عالم مضطرب، وأن الدولة اختارت خلال السنوات الأخيرة منطق الفعل والاستثمار والإصلاح، بدل الاكتفاء بخطابات سياسية لم تعد تقنع المغاربة الباحثين عن نتائج ملموسة على أرض الواقع.





