أسواق العيد بفاس تحت المجهر.. من يتحكم في “كعكة” الكراء والاستغلال؟ وكيف تدبر مداخيل الملك العمومي؟

مع اقتراب موسم عيد الأضحى، بدأت بمدينة فاس تعود إلى الواجهة أسئلة ثقيلة ظلت لسنوات تطرح داخل الأوساط المهنية والسياسية دون أجوبة واضحة: من يتحكم فعلياً في أسواق الأضاحي والأسواق الموسمية؟ كيف يتم تفويت فضاءات البيع وكراء البقع؟ أين تذهب المداخيل المالية الضخمة التي تدرها هذه الأسواق؟ ومن يراقب طرق صرفها وتدبيرها؟
فإذا كانت مدن أخرى تعيش كواليس التنافس حول أسواق العيد، فإن الوضع بمدينة فاس يبدو أكثر تعقيداً وتشابكاً، بالنظر إلى التاريخ الطويل الذي ارتبط بما يسميه مهنيون وفاعلون محليون بـ”لوبيات المواسم والأسواق”، وهي شبكات ظلت، حسب عدد من المتابعين، تتحكم لسنوات في دواليب تدبير عدد من الفضاءات التجارية الموسمية، مستفيدة من علاقات متشعبة داخل بعض المجالس المنتخبة والدوائر التدبيرية.
فوضى تدبيرية وأسئلة معلقة
ومع انطلاق التحضيرات الأولية لإقامة أسواق الأضاحي المؤقتة بعدد من المقاطعات، عاد الجدل مجدداً حول طريقة تدبير هذه الفضاءات، وسط حديث متزايد عن غياب الشفافية في تحديد المستفيدين من عمليات الكراء والاستغلال، وتكرار الأسماء نفسها في كل موسم، في وقت يشتكي فيه “الكسابة” والتجار الصغار من الإقصاء أو فرض شروط غير متكافئة.
وتطرح داخل الشارع الفاسي تساؤلات متزايدة حول المعايير المعتمدة في تفويت فضاءات الأسواق الموسمية، وما إذا كانت العملية تتم فعلاً وفق دفاتر تحملات واضحة ومنافسة نزيهة، أم أن الأمر ما يزال يخضع لمنطق الزبونية والمحسوبية و”اقتصاد الولاءات”.
كما يتساءل فاعلون جمعويون ومهنيون عن القيمة الحقيقية للمداخيل التي تحققها هذه الأسواق خلال فترة قصيرة لا تتجاوز أسابيع معدودة، خاصة أن أسواق الأضاحي بفاس تعرف حركة مالية كبيرة، بالنظر إلى حجم الإقبال وعدد التجار والوافدين على المدينة خلال الموسم.
أين تذهب الأموال؟ ومن يراقب؟
واحدة من أكثر النقاط التي تثير الجدل داخل المدينة تتعلق بمصير المداخيل المتأتية من كراء البقع والخدمات المرتبطة بالأسواق، من حراسة ونظافة وإنارة واستغلال للملك العمومي.
ففي الوقت الذي تؤكد فيه بعض الجهات أن هذه العمليات تتم وفق المساطر القانونية، يرى متابعون أن غياب معطيات دقيقة وعلنية حول حجم المداخيل وكيفية صرفها يفتح الباب أمام الشكوك والتأويلات، خاصة في ظل استمرار مظاهر الفوضى والعشوائية وضعف شروط التنظيم داخل عدد من الأسواق الموسمية.
ويتساءل كثيرون: إذا كانت هذه الأسواق تدر مداخيل مهمة على الجماعة، فلماذا لا ينعكس ذلك على تحسين البنية التنظيمية والنظافة والمراقبة داخلها؟ ولماذا تتكرر سنوياً شكاوى التجار والمهنيين من الفوضى وغياب تكافؤ الفرص؟
هل تغير شيء مع مجلس البقالي؟
الأنظار تتجه اليوم نحو مجلس جماعة فاس الذي يقوده العمدة عبد السلام البقالي، وسط مطالب بالكشف بوضوح عن طريقة تدبير الأسواق الموسمية وعمليات الكراء والتفويت.
فهل نجح المجلس الحالي فعلاً في القطع مع ممارسات الماضي؟ أم أن الوجوه تغيرت فقط بينما بقيت شبكات المصالح نفسها تتحكم في “كعكة” الأسواق؟
وهل تم فتح المجال أمام فاعلين جدد وجمعيات وتعاونيات حقيقية وفق مبدأ المنافسة والشفافية، أم أن بعض الجهات ما تزال تهيمن على القطاع من خلف الستار؟
أسئلة أصبحت تُطرح بإلحاح داخل المدينة، خاصة مع تكرار الحديث عن “سماسرة المواسم” الذين يظهرون كل سنة خلال مواسم الأعياد والأسواق المؤقتة، مستفيدين من قربهم من بعض المنتخبين أو الوسطاء لفرض أنفسهم داخل عمليات الاستغلال والتدبير.
مطالب بتحقيق من سلطات الولاية
وفي ظل هذا الجدل المتصاعد، ترتفع أصوات داخل فاس مطالبة بتدخل ولاية جهة فاس مكناس وفتح تحقيق إداري ومالي شفاف حول طرق تدبير الأسواق الموسمية والملك العمومي المرتبط بها.
كما يطالب فاعلون بضرورة افتحاص مداخيل الأسواق المؤقتة، والكشف عن المستفيدين الحقيقيين من عمليات الكراء والتفويت، ومدى احترام شروط المنافسة وتكافؤ الفرص، خاصة أن هذه الفضاءات تحولت، حسب متابعين، إلى مجال اقتصادي يدر أرباحاً مهمة ويستقطب مصالح انتخابية ومالية متشابكة.
ويرى مهتمون بالشأن المحلي أن ملف الأسواق بفاس لم يعد مجرد قضية موسمية مرتبطة بعيد الأضحى، بل أصبح اختباراً حقيقياً لشعارات الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، خصوصاً في مدينة تعاني من اختلالات مزمنة في تدبير الملك العمومي وانتشار مظاهر الاستغلال العشوائي.
بين التنظيم والفوضى
ورغم الحديث عن توجه السلطات لتشديد المراقبة الصحية والتنظيمية هذه السنة، والحد من الأسواق العشوائية، إلا أن الرهان الحقيقي، حسب متابعين، يبقى هو القطع مع اقتصاد الريع الموسمي الذي ظل يرافق تدبير بعض الأسواق لسنوات.
ففاس، التي يفترض أن تكون نموذجاً في التنظيم والتدبير بحكم مكانتها التاريخية والثقافية، ما تزال تعيش كل موسم على وقع فوضى الأسواق، واحتلال الملك العمومي، واتهامات بالمحاباة وتفويت الامتيازات لجهات بعينها.
ويبقى السؤال الأبرز الذي ينتظر الرأي العام الفاسي جواباً واضحاً عنه: هل تملك الجهات الوصية الجرأة الكافية لفتح هذا الملف الملغوم وكشف حقيقة ما يجري داخل كواليس أسواق المدينة؟ أم أن “لوبيات المواسم” ستواصل التحكم في المشهد بعيداً عن أي مساءلة حقيقية؟






