تسعيرة الأدوية تحت المجهر: جدل تنظيمي متجدد بين إصلاح المنظومة الدوائية ومخاوف استقرار الصيدليات بالمغرب

عاد ملف تسعيرة الأدوية ليحتل واجهة النقاش الصحي بالمغرب، في ظل مطالبة كونفدرالية الصيادلة بالمغرب بضرورة الاطلاع على التعديلات المدخلة على مشروع المرسوم المتعلق بمسطرة تحديد أثمنة الأدوية، في خطوة تعكس استمرار الجدل حول واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل المنظومة الصحية، لما لها من تأثير مباشر على المواطن، وصناديق التأمين، واستقرار شبكة الصيدليات الوطنية.
وتأتي هذه المطالب في سياق إصلاحي تقوده وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، بهدف إعادة ضبط سياسة تسعير الدواء، غير أن الفاعلين المهنيين يعتبرون أن أي تعديل في هذا الورش يجب أن يتم في إطار تشاركي شامل، يضمن التوازن بين مختلف الأطراف المعنية.
مقاربة تشاركية مطلوبة لتجويد مشروع المرسوم
أكدت كونفدرالية الصيادلة بالمغرب أن مطلبها بالاطلاع على التعديلات الجديدة لا يندرج في إطار الاعتراض، بل في إطار الرغبة في تقديم ملاحظات تقنية ومهنية من شأنها المساهمة في تجويد النص التنظيمي، بما يحقق توازناً دقيقاً بين القدرة الشرائية للمواطن واستدامة صناديق التأمين، دون الإضرار بالاستقرار الاقتصادي للصيدليات.
وتعتبر الهيئات المهنية أن الصيدلية ليست مجرد نقطة توزيع للدواء، بل مرفق صحي للقرب يشكل أحد الأعمدة الأساسية في المنظومة الصحية الوطنية، ما يجعل استقرارها الاقتصادي شرطاً ضرورياً لضمان استمرارية الخدمة الصحية للمواطنين.
تقرير مجلس المنافسة يعيد طرح الإشكال البنيوي
في خلفية هذا النقاش، استندت كونفدرالية الصيادلة إلى ما ورد في تقرير حديث صادر عن مجلس المنافسة، الذي وجه ملاحظات جوهرية بخصوص مشروع المرسوم، خاصة فيما يتعلق بعدم معالجة الاختلالات البنيوية التي أفرزها مرسوم سنة 2013.
وحسب مضامين هذا التقرير، فإن استمرار بعض الاختلالات دون إجراءات مصاحبة أدى إلى إضعاف الوضعية الاقتصادية لعدد من الصيدليات، وزيادة هشاشتها المالية، بل وتهديد بعضها بالإفلاس، وهو ما يطرح إشكالية استدامة شبكة التوزيع الدوائي على المستوى الوطني.
بين إصلاح التسعيرة وحماية الأمن الدوائي
من جهة أخرى، تؤكد الهيئات المهنية للصيادلة أنها لا تعارض مبدأ إصلاح سياسة تسعير الأدوية، بل تعتبره ضرورة ملحة من أجل ترشيد نفقات التأمين الصحي وضمان عدالة الولوج إلى العلاج، غير أن هذا الإصلاح، حسب تعبيرها، يجب أن يتم وفق رؤية متوازنة تأخذ بعين الاعتبار جميع المتدخلين في سلسلة الدواء.
وفي هذا السياق، تشدد المراسلات الموجهة إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي على أن أي مراجعة للمرسوم لن تحقق أهدافها بشكل كامل إذا لم تُبنَ على مقاربة تشاركية حقيقية، تُشرك الصيادلة باعتبارهم الحلقة الأساسية في ضمان وصول الدواء إلى المواطن.
الصيدلية: حلقة مركزية في المنظومة الصحية
تعتبر النقابات المهنية أن الصيدليات تشكل خط الدفاع الأول في المنظومة الصحية، نظراً لدورها اليومي في توفير الأدوية وتوجيه المرضى ومواكبة العلاج، خصوصاً في المناطق القروية وشبه الحضرية التي تعتمد بشكل كبير على هذه الشبكة.
ومن هذا المنطلق، فإن أي اختلال في التوازن الاقتصادي للصيدليات قد ينعكس مباشرة على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين، وعلى استقرار الأمن الدوائي الوطني، وهو مفهوم أصبح يحتل مكانة مركزية في السياسات الصحية الحديثة.
إصلاحات متراكمة وتحديات التنفيذ
يأتي هذا النقاش في سياق إصلاحات متواصلة تشهدها المنظومة الصحية بالمغرب، خاصة بعد إطلاق ورش تعميم التغطية الصحية الإجبارية، وإعادة هيكلة بعض جوانب القطاع الدوائي، غير أن تنزيل هذه الإصلاحات يظل مرتبطاً بقدرة الحكومة على التوفيق بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
كما أن تحدي ضبط أسعار الأدوية يظل من أكثر الملفات تعقيداً، نظراً لتداخل مصالح متعددة بين الدولة، وصناديق التأمين، وشركات الأدوية، والصيادلة، والمواطنين، ما يجعل أي تعديل في هذا المجال حساساً ويحتاج إلى توافق واسع.
نحو توازن صعب بين الكلفة الاجتماعية والاقتصادية
الرهان الأساسي في هذا الورش يتمثل في إيجاد توازن دقيق بين خفض كلفة العلاج على المواطن، وضمان استدامة الفاعلين في قطاع توزيع الأدوية، دون الإضرار بجودة الخدمات الصحية.
وفي هذا السياق، يبرز دور الحوار المؤسساتي كآلية أساسية لتجاوز التوترات المحتملة، من خلال إشراك جميع الأطراف في صياغة الحلول، بما يضمن استقرار المنظومة الدوائية على المدى الطويل.
إصلاح حساس يحتاج إلى توافق واسع
يمكن القول إن ملف تسعيرة الأدوية بالمغرب يدخل مرحلة دقيقة تتطلب قدراً كبيراً من التوازن والحكمة، خاصة في ظل تداخل الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والصحية.
وبين رغبة الدولة في إصلاح منظومة الأسعار، ومطالب الصيادلة بضمان استقرار مهنياتهم، يظل التحدي الأكبر هو بناء توافق حقيقي يضمن إصلاحاً مستداماً، يحافظ على الأمن الدوائي الوطني، ويصون في الوقت نفسه استمرارية الصيدليات باعتبارها ركيزة أساسية في المنظومة الصحية المغربية.






