تقرير :ما بعد كأس إفريقيا: لماذا يجب على المغاربة تفويت الفرصة على أجندات العزل والتشويش؟

تقرير صحفي من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي
انتهت كأس إفريقيا، وأُسدل الستار على واحدة من أنجح البطولات القارية تنظيمًا، بشهادة أغلب المتتبعين والمؤسسات الدولية والرياضية. المغرب، مرة أخرى، لم ينجح فقط في احتضان تظاهرة كروية كبرى، بل أكد موقعه كقوة تنظيمية صاعدة، قادرة على تدبير الأحداث الكبرى بمعايير عالمية. غير أن ما تلا البطولة يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن، كمغاربة، واعون بحجم الحرب غير المعلنة التي تُدار ضد نجاحات المملكة؟
كرة القدم كمدخل للصراع السياسي
من السذاجة بمكان اختزال ما جرى خلال كأس إفريقيا في مجرد “مناوشات رياضية” أو “خلافات تحكيمية”. الواقع أن البطولة تحولت، بالنسبة لبعض الأطراف الإقليمية وهنا نسمي المسميات بأسمائها و هي جارة السوء الجزائر و المدعمة تحت الستار من قطر، إلى منصة لتصفية حسابات سياسية ومحاولة يائسة لعزل المغرب قارياً وعربياً، عبر افتعال صراعات وهمية وتغذية خطاب المظلومية والتحريض.
لقد كان واضحًا منذ البداية أن هناك من دخل البطولة بعقلية “إفشال نجاح المغرب”، لا بعقلية التنافس الرياضي الشريف. التشويش، الابتزاز الإعلامي، ومحاولات نزع الشرعية عن التنظيم، لم تكن عفوية، بل جزء من خطة مدروسة قادتها دوائر معروفة بعدائها الاستراتيجي للمملكة، وعلى رأسها المخابرات الجزائرية، التي لم تهضم إلى اليوم التحولات الكبرى التي حققها المغرب على المستويين الإفريقي والدولي،و باتت خائفة من الداخل الجزائري بعد أن شاهد جمهورها كيف هو المغرب و كيف هي بنيانه و حياة شعبه الذي ينعم بالترف و الهناء في ظل قيادة رشيدة لجلالة الملك محمد السادس،و كيف كان الجزائريون يرددون نحن نحس بأنفسنا وسط أوروبا و باريس .
المغرب نجح… والعالم شهد
رغم كل محاولات التشويش، خرج المغرب منتصرًا في المعركة الأهم: معركة الصورة والمصداقية.
شهادات الاتحادات الرياضية، وسائل الإعلام الدولية، والوفود الرسمية المشاركة، أكدت أن البطولة كانت ناجحة من حيث التنظيم، البنية التحتية، الأمن، واللوجستيك. وهو اعتراف لم يكن مجانيًا، بل ثمرة سنوات من الاستثمار والعمل الاستراتيجي.
إن نجاح كأس إفريقيا 2025 لم يكن حدثًا معزولًا، بل حلقة إضافية في سلسلة نجاحات رسخت صورة المغرب كبلد مستقر، منفتح، وفاعل قارياً. وهذا بالضبط ما أزعج الخصوم، لأن نجاح المغرب يفضح فشلهم، ويُسقط سردياتهم المبنية على العداء والتشويش.
الخطر الحقيقي: حين نتحول إلى أدوات ضد أنفسنا
غير أن أخطر ما يمكن أن يقع، هو أن ننجح خارجيًا ونفشل داخليًا في حماية هذا النجاح.
هنا تحديدًا، تبرز مسؤولية الإعلام المغربي ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي. فالترويج غير المسؤول لبعض المقاطع أو الأحداث المعزولة، دون سياق أو وعي، يتحول بسرعة إلى ذخيرة مجانية في يد الخصوم.
المثال الصارخ على ذلك، تداول شريط فيديو يوثق لمناوشات عادية بين طلبة داخل حرم جامعي بمدينة فاس ليلة المباراة النهائية. واقعة محدودة، تدخلت رئاسة الجامعة بسرعة لمعالجتها وإصلاح ذات البين، لكنها تحولت، بفعل التهويل والتأويل الخبيث، إلى مادة تُقدَّم وكأنها “دليل عنصرية” أو “سلوك عدائي ضد الأفارقة”.
هنا يجب أن نكون واضحين:
نشر مثل هذه المواد، دون تقدير العواقب، لا يخدم الحقيقة ولا يخدم المغرب، بل يمنح الخصوم ما ينتظرونه بالضبط: مادة جاهزة لتشويه صورة المملكة ونسف كل ما راكمته من جهود في ترميم العلاقات الإفريقية.
المغرب ليس في حاجة إلى أعداء جدد
خلال السنوات الأخيرة، قطعت الدبلوماسية المغربية أشواطًا كبيرة في إعادة بناء الثقة مع عدد من الدول الإفريقية، بعد سنوات من العمل الهادئ والممنهج. العودة القوية إلى المنتظم الإفريقي، النجاحات المتتالية في المنتديات القارية والدولية، ثم المكاسب السياسية الكبرى وعلى رأسها تصويت مجلس الأمن على تثبيت مقترح الحكم الذاتي كحل واقعي وجدي، كلها إنجازات لم تأتِ صدفة.
هذه النجاحات أزعجت خصوم المغرب، ودَفعتهم إلى البحث عن أي ثغرة لإرباك المشهد. ومن هنا، يصبح أي سلوك إعلامي غير محسوب، أو خطاب انفعالي، خدمة مباشرة لأجندات العزل والتشويش.
كرة القدم عابرة… والدولة باقية
يجب التذكير بحقيقة بديهية:
كرة القدم مباراة اليوم وتنتهي غدًا، أما الدولة فبناء طويل النفس.
لا يجوز، تحت أي ذريعة، تحويل حدث رياضي إلى صراع سياسي دائم، ولا السماح بتأجيج مشاعر الغضب التي قد تُستثمر لاحقًا ضد مصالح المغرب.
المغرب اليوم ليس بلدًا في موقع الدفاع، بل قوة صاعدة إقليميًا وقاريًا، تملك أوراقها، وتعرف كيف تدير معاركها بهدوء. ومن يحاول استهداف المملكة عبر التشويش والضرب من الخلف، سيفاجأ عاجلًا أم آجلًا بصوت شعوبه، التي تعيش القهر والفقر وانسداد الأفق، بينما ينشغل حكامها بتصدير الأزمات للخارج.
المطلوب: وعي وطني لا انفعال
ما يحتاجه المغرب اليوم ليس المزيد من الردود الانفعالية، بل وعي وطني جماعي، يدرك أن المعارك الحقيقية تُدار بالعقل لا بالعاطفة، وبالمراكمة لا بالاستفزاز.
الإعلام مطالب بأن يكون شريكًا في حماية صورة البلد، لا منصة لإعادة إنتاج خطاب الخصوم.
ونشطاء التواصل الاجتماعي مطالبون بإدراك أن كل “مشاركة” غير محسوبة قد تتحول إلى سلاح ضد وطنهم.
دعوا العالم يحكم
المغرب لا يحتاج إلى تبرير نجاحه.
التنظيم الناجح لكأس إفريقيا، والإنجازات الدبلوماسية المتتالية، كفيلة بأن تجعل العالم يحكم بنفسه: من يتقدم ومن يتأخر، من يبني ومن يفتعل الأزمات.
أما الخصوم، فمهما علا ضجيجهم، فإن الزمن كفيل بفضحهم.
وحده المغرب، بثباته وهدوئه، يعرف أن الانتصارات الحقيقية لا تُصرخ، بل تُراكم.






