قبل انتخابات 2026 ومونديال 2030.. رياح التغيير تقترب من مصالح وزارة الداخلية بجهة فاس-مكناس.. هل حان وقت ضخ دماء جديدة؟

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، وتسارع وتيرة تنزيل المشاريع الملكية الكبرى المرتبطة بتأهيل المدن استعدادا لاحتضان كأس العالم 2030، تتجه الأنظار إلى الإدارة الترابية بجهة فاس-مكناس، التي تجد نفسها اليوم أمام مرحلة جديدة عنوانها النجاعة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجديد النخب الإدارية.
وتفيد معطيات متطابقة بأن عددا من ولايات وعمالات المملكة شرعت، بتوجيهات من المصالح المركزية لوزارة الداخلية، في مراجعة أوضاع عدد من المسؤولين الإداريين الذين تم تمديد مهامهم بعد بلوغ سن التقاعد، وذلك في إطار تقييم شامل للأداء وربط استمرار المسؤولية بمؤشرات الإنجاز والكفاءة، خاصة مع دخول المملكة مرحلة حاسمة تتطلب إدارة ترابية أكثر دينامية وقدرة على مواكبة الأوراش الكبرى.
جهة فاس-مكناس أمام استحقاقات غير مسبوقة
وتعد جهة فاس-مكناس من أكثر الجهات التي تنتظرها تحديات كبرى خلال السنوات المقبلة، بالنظر إلى حجم المشاريع المهيكلة التي تعرفها، سواء بمدينة فاس أو بمختلف أقاليم الجهة، وهو ما يفرض إدارة قوية، وقرارات سريعة، ومسؤولين قادرين على مواكبة نسق التنمية الذي تعرفه المملكة.
فالجهة لم تعد تحتمل منطق التدبير التقليدي أو البطء الإداري، خصوصا وأنها تشهد إطلاق مشاريع استراتيجية في مجالات البنيات التحتية، والنقل، والتهيئة الحضرية، والاستثمار، والماء، والتأهيل الاجتماعي، وهي مشاريع تستوجب مسؤولين يشتغلون بمنطق النتائج وليس بمنطق تدبير الروتين الإداري.
مسؤولون عمروا طويلا… وآخرون لم تتح لهم فرصة العمل
وفي الوقت الذي يرحب فيه العديد من المتتبعين بأي عملية تقييم موضوعية للأداء، يطرح داخل جهة فاس-مكناس نقاش واسع حول استمرار بعض المسؤولين في مناصبهم لسنوات طويلة، بل إن بعضهم قضى عقودا داخل المصالح نفسها دون أن يطرأ أي تغيير أو تجديد، رغم تغير الأولويات وتطور حاجيات الإدارة الترابية.
وفي المقابل، هناك مسؤولون جدد تم تعيينهم خلال السنوات الأخيرة، غير أن عددا منهم وجد نفسه أمام واقع إداري معقد، حيث بقيت اختصاصاته محدودة أو مجمدة، ولم يتمكن من تنزيل رؤيته أو إحداث دينامية جديدة بسبب استمرار مراكز نفوذ إدارية تشكلت عبر سنوات طويلة.
ويرى متابعون أن نجاح أي إصلاح إداري لا يقتصر على تغيير الأشخاص، بل يقتضي أيضا تمكين الكفاءات الجديدة من ممارسة اختصاصاتها كاملة، ومنحها هامش المبادرة واتخاذ القرار، بما يحقق الأهداف التي من أجلها تم تعيينها.
ربط المسؤولية بالمحاسبة… مرحلة جديدة داخل الإدارة الترابية
وتشير المعطيات إلى أن التوجه الحالي لوزارة الداخلية يقوم على إعادة تقييم أداء عدد من المسؤولين، خاصة داخل المصالح الحساسة المكلفة بتدبير الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والجماعات الترابية، وتتبع المشاريع التنموية.
ولم يعد معيار الأقدمية أو سنوات الخدمة كافيا للاستمرار في المسؤولية، بل أصبح الإنجاز الميداني، واحترام الآجال، وحسن التدبير، والنزاهة، وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين، من بين المؤشرات الأساسية التي يجري اعتمادها في تقييم المسؤولين.
كما أن عددا من التقارير التفتيشية، التي أنجزتها المصالح المختصة، ساهمت في إعادة فتح ملفات تتعلق بطريقة تدبير بعض المشاريع والبرامج، وهو ما قد يفضي إلى حركة تغييرات جديدة داخل عدد من العمالات والأقاليم.
مشاريع كبرى تحتاج إلى إدارة بالسرعة نفسها
وتعيش جهة فاس-مكناس اليوم على وقع أوراش تنموية غير مسبوقة، من بينها مشاريع تأهيل مدينة فاس، وتحديث البنيات التحتية، وتوسيع الشبكة الطرقية، وتأهيل المرافق الرياضية، وبرامج الماء، والمناطق الصناعية، والاستثمارات السياحية، وهي مشاريع لا تحتمل أي تأخير أو ارتباك إداري.
لذلك، فإن نجاح هذه الأوراش يبقى رهينا بوجود إدارة ترابية تتحرك بنفس السرعة التي تتحرك بها المشاريع على أرض الواقع، وتعمل بمنطق المواكبة اليومية، واتخاذ القرار في الوقت المناسب، وحل الإشكالات قبل أن تتحول إلى عوائق تؤخر التنمية.
الجهة مطالبة بالتحرك حتى لا تتراجع
ويرى عدد من المتابعين للشأن الجهوي أن جهة فاس-مكناس مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بإطلاق دينامية جديدة داخل مختلف مصالحها الإدارية، لأن الرهانات المقبلة أكبر بكثير من السابق.
فالجهة تنافس اليوم جهات أخرى على استقطاب الاستثمار، وخلق فرص الشغل، وتحسين الخدمات، واستكمال المشاريع الكبرى، وهو ما يجعل أي بطء في اتخاذ القرار أو أي جمود إداري ينعكس مباشرة على التنمية وعلى مصالح المواطنين.
كما أن استمرار بعض المصالح بنفس الآليات القديمة قد يحد من قدرة الجهة على مواكبة التحولات التي تعرفها المملكة، في وقت تتجه فيه الدولة نحو إدارة تعتمد على النجاعة، والرقمنة، وسرعة الإنجاز، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
مرحلة جديدة تفرض ضخ دماء جديدة
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، واستمرار تنزيل المشاريع الملكية الكبرى، يعتقد العديد من الفاعلين أن المرحلة المقبلة تستوجب ضخ دماء جديدة داخل عدد من المصالح الإدارية، وإتاحة الفرصة أمام الكفاءات الشابة والمسؤولين الذين أثبتوا قدرتهم على الإنجاز، مع تقييم موضوعي للمسؤولين الحاليين بعيدا عن أي اعتبارات أخرى.
فالتجديد لا يعني القطيعة مع الخبرة، بل يعني تحقيق التوازن بين التجربة والكفاءة وروح المبادرة، بما يسمح للإدارة الترابية بمواكبة التحولات الكبرى التي تعرفها المملكة.
وفي ظل الرؤية الملكية التي جعلت من النجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة أساسا لتدبير الشأن العام، تبدو جهة فاس-مكناس اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة ترتيب بيتها الإداري، حتى تواصل مسارها التنموي، وتواكب الأوراش الملكية الكبرى، وتتفادى أي مظاهر للجمود قد تعرقل تقدمها أو تعيدها إلى الوراء في مرحلة تتطلب السرعة والفعالية أكثر من أي وقت مضى.






