محاولة إفراغ الصناع تتصدر الأزمة: وكالة “إنقاذ فاس” تلاحق الحرفيين قضائياً وتهدد “لالة يدّونة”

هزّت أزمة الإفراغات القضائية التي طالت عدداً من الصناع التقليديين بمحلاتهم داخل المركبات والفنادق العتيقة بمدينة فاس، وجدان القطاع الحرفي برمّته، لتفرض نفسها، تحت ضغط الغضب والاحتقان، على طاولة اجتماع تنسيقي عُقد يوم الجمعة 12 دجنبر 2025 بالمديرية الجهوية للصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
اللقاء، الذي ترأسه المدير الجهوي للقطاع إلى جانب مدير وكالة التنمية ورد الاعتبار لمدينة فاس (ADER-Fès)، وبحضور نائب رئيس غرفة الصناعة التقليدية وممثلين عن فيدرالية لالة يدّونة وصناع مهددين بالإفراغ، كشف بوضوح حجم الانسداد الذي وصلت إليه الأوضاع داخل مركب لالة يدّونة، وفندق القفطان، وعدد من الفنادق العتيقة التي يفترض أن تكون ملاذاً للحرف الأصيلة لا ساحات للصراع القضائي.
الأخطر في ما رشح عن الاجتماع، هو التأكيد الرسمي على أن وكالة التنمية ورد الاعتبار لمدينة فاس، المكلفة قانوناً وأخلاقياً بصيانة التراث وحمايته، اختارت طريق المحاكم وأحكام الإفراغ في مواجهة حرفيين راكموا ديوناً بسبب أوضاع اقتصادية خانقة. خطوة وُصفت من داخل الاجتماع وخارجه بأنها قصيرة النظر، وعديمة الحس الاجتماعي، ومتناقضة جوهرياً مع رسالة الوكالة نفسها.
الصناع المتضررون لم يخفوا حجم المأساة التي يعيشونها: متابعات قضائية، أحكام بالإفراغ، شبح التشريد، وانسداد أفق مهني في قطاع أنهكته سنوات من الإهمال وغياب المواكبة الحقيقية. وأكدوا أن عجزهم عن أداء الواجبات المالية ليس تملصاً ولا سوء نية، بل نتيجة مباشرة لانكماش السوق، وتراجع الإقبال السياحي في فترات طويلة، وارتفاع تكاليف العيش والإنتاج.
في المقابل، تتعالى أصوات غاضبة تتساءل: كيف لوكالة أُنشئت لرد الاعتبار لفاس العتيقة أن تقود عملياً إلى تفريغها من حرفييها؟ وكيف يمكن الحديث عن حماية التراث، بينما يُدفع “حراس الحرفة” إلى أبواب المحاكم بدل طاولات الحوار؟
مصادر مطلعة وصفت ما يجري بـ**“الموت البطيء للنسيج الحرفي”**، محذرة من أن إفراغ الفنادق العتيقة من الصناع سيحوّلها إلى بنايات صامتة بلا روح، وبلا وظيفة اقتصادية أو اجتماعية، ويضرب في العمق هوية فاس التي قامت تاريخياً على تلازم الحجر والحرفة.
أما ما خلص إليه الاجتماع من توصيات حول “تقريب وجهات النظر” و“إيجاد مخارج توافقية” و“اتخاذ تدابير هيكلية”، فقد قوبل بتشكيك واسع، واعتُبر مجرد كلام إنشائي وحلول ترقيعية لا ترقى إلى حجم الأزمة. فالتشاور، كما يقول المهنيون، لا معنى له بينما سيوف الإفراغ معلّقة فوق رؤوسهم، والأحكام القضائية سارية، والديون تتراكم دون أي آلية إنقاذ حقيقية.
ويرى مراقبون أن أي حديث عن حلول يبقى فارغاً من المضمون ما لم يُتخذ قرار واضح وشجاع بـ:
-
التجميد الفوري للمتابعات القضائية وأحكام الإفراغ
-
إعادة جدولة الديون بشروط اجتماعية واقعية
-
مراجعة نموذج تدبير هذه الفضاءات بما ينسجم مع وضعية الحرفيين لا بمنطق الكراء التجاري الجاف
غير ذلك، يضيف هؤلاء، لن يكون سوى محاولة لربح الوقت، فيما يستمر النزيف بصمت، وتُدفع فاس العتيقة خطوة أخرى نحو فقدان روحها، تحت أعين مؤسسات ترفع شعار “رد الاعتبار” بينما تمارس، في الواقع، سياسة الإقصاء والتجفيف.
في فاس اليوم، لم تعد القضية مالية فقط… إنها قضية هوية، وعدالة اجتماعية، واختبار حقيقي لصدق الخطاب الرسمي حول حماية التراث.






