قضاة الحسابات يقرعون ناقوس الخطر: اختلالات بالجملة وتسيّب مالي في تسيير الجماعات الترابية

أنهت المجالس الجهوية للحسابات إعداد مجموعة من التقارير الرقابية التي تكشف عن خروقات مالية ومخالفات صارخة في تدبير ميزانيات عدد من الجماعات الترابية، في نتائج وصفت بـ”المقلقة”، خاصة بعد التوصل بعشرات الملفات من مصالح وزارة الداخلية، تؤكد تورط عدد من الرؤساء في اختلالات مالية تمس جوهر التدبير العمومي المحلي.
وتشير المعطيات إلى أن قضاة المجالس الجهوية توصلوا بلوائح تضم أسماء العديد من رؤساء المجالس الجماعية، المشتبه في ضلوعهم في تبديد المال العام أو القفز على تحصيل الموارد، وهي ممارسات كبدت خزينة الجماعات خسائر ضخمة تُقدّر بمليارات السنتيمات، خصوصاً أن معظم هذه الجماعات تعاني أصلاً من عجز تمويلي هيكلي.
وقد كشفت التقارير الرقابية عن غياب رؤية استراتيجية واضحة لتنمية الموارد المالية، إلى جانب ضعف الاستغلال الأمثل للإمكانيات المتوفرة، وسوء ضبط الوعاء الضريبي، مع صعوبة في تحديد الملزمين فعلياً بالأداء. كما تم تسجيل نقص حاد في الموارد البشرية القادرة على تتبع الجبايات ومراقبتها، ناهيك عن ضعف تعليل القرارات المالية وسوء التنسيق بين مختلف مصالح الجماعة.
في بعض الحالات، بلغت الفوضى حد “التسيب” في إعداد وتنفيذ ميزانيات التسيير، حيث تم تسجيل مبالغات في نفقات استهلاكية غير ذات طابع استثماري، ما يخالف التوجيهات المركزية بخصوص ترشيد الإنفاق وحصره في الحاجيات الضرورية فقط، من قبيل الأجور، الإنارة العمومية، الماء والكهرباء، مصاريف الأحكام القضائية، والنقل العمومي.
كما لاحظ المفتشون مخالفة توجيهات صارمة تقضي بضرورة احترام الأولويات الوطنية، خاصة في ما يتعلق بالاستثمار في البنية التحتية البيئية، ومعالجة المياه العادمة، وترشيد الموارد الطبيعية. وبرز أيضاً تساهل واضح في تسوية الوضعية القانونية للعقارات المستغلة في مشاريع عمومية، مما أفضى إلى تأخير في سداد مستحقات بعض العقارات التي تم اقتناؤها من الدولة أو الجماعات السلالية، رغم وجود عقود موقعة واستفادة مسبقة من الأراضي.
وتضمنت التقارير تحذيراً من استغلال الموارد الجماعية لأغراض انتخابية ضيقة، بعد رصد تحركات وتوظيفات وصفت بـ”المشبوهة”، ترجمتها مؤشرات واضحة على بداية مبكرة لحملات انتخابية تحت غطاء التسيير المحلي، وهو ما اعتبر تهديداً خطيراً لحياد المرفق العمومي ومصداقيته.
ورداً على هذه الوضعية، تم إطلاق برنامج وطني للتكوين المستمر يستهدف في مرحلته الأولى رؤساء الجماعات ورؤساء اللجان الدائمة، بهدف تعزيز الكفاءة في التسيير، خاصة في ما يتعلق بتدبير الموارد المالية وتقديم القوائم المحاسبية، مع تركيز خاص على المنتخبين الجدد. ويتضمن البرنامج ورشات ودورات دراسية حضورية تنظمها الجهات المعنية على المستوى الجهوي، أملاً في تدارك الاختلالات البنيوية التي تعاني منها الجماعات منذ سنوات.
وتكشف هذه التقارير، مجدداً، عن هشاشة عميقة في تدبير الشأن المحلي، وتطرح بإلحاح ضرورة تفعيل المساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة، حماية للمال العام، وصوناً لمبدأ العدالة المجالية التي تقوم عليها الحكامة الترابية السليمة.





