تطهير هادئ داخل الجامعات… وزارة التعليم العالي تُسقط رؤوس الفشل وتُعيد الاعتبار لكرامة الجامعة

في خطوة تحمل في طياتها رسائل قوية للداخل الجامعي وتُجسد إرادة إصلاحية صريحة، أقدم وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، على إعفاء رئيس جامعة مولاي إسماعيل بمكناس، أحمد موشطاشي، من مهامه، وتعيين الدكتور أبو بكر بوعياد، المدير الحالي للمدرسة الوطنية العليا للفنون والمهن، رئيسًا بالنيابة لذات الجامعة.
هذا القرار الذي صدر بشكل مفاجئ، لم يكن ارتجاليًا أو معزولًا عن سياق عام، بل يندرج ضمن مقاربة جديدة بدأ الوزير ميداوي في تجسيدها على أرض الواقع، تقوم على مبدأ “تطهير الحقل الجامعي من مظاهر الترهل والفشل الإداري”، وتكريس مبدأ المسؤولية المرتبطة بالكفاءة والنتائج، لا الولاءات والمجاملات.
رئيس الجامعة المعفى لم يُكمل عامًا واحدًا في موقعه، إذ لم تمر سوى عشرة أشهر على تعيينه في أكتوبر 2023، وهو ما يعكس نفاد صبر الوزارة أمام ما رصدته من اختلالات أو عجز عن مسايرة متطلبات التسيير الجامعي. واللافت أن القرار لم يُقدم على أنه عقابي، بل صيغ بلغة إدارية دقيقة تحت ذريعة “ضمان استمرارية العمل”، لكن المتابعين للشأن الجامعي يُدركون أن الأمر أعمق من ذلك بكثير، ويدخل في خانة إعادة التموقع داخل الجامعة المغربية، وتحريرها من قبضة رؤساء لم يقدّموا أي بصمة فعلية في مسار التكوين والبحث والحوكمة.
الدكتور أبو بكر بوعياد، المُعيَّن بالنيابة، ليس غريبًا عن الوسط الأكاديمي، ويُعدّ من الأطر الكفؤة ذات الباع الطويل في الإدارة الجامعية، خصوصًا من خلال إشرافه على المدرسة الوطنية العليا للفنون والمهن بمكناس، حيث بصم على أداء إداري وعلمي متماسك. وتكليفه بقيادة جامعة مولاي إسماعيل، في هذا التوقيت بالذات، يُفهم على أنه رسالة ثقة من الوزارة، ومحاولة لإنقاذ مؤسسة عريقة من دوامة الجمود والارتباك.
لكن الأهم، هو أن هذا التغيير لا يجب أن يُقرأ كإجراء معزول، بل كجزء من تحول مؤسساتي تسعى من خلاله الوزارة إلى تنظيف الفضاء الجامعي من بعض الرؤساء الذين عُيّنوا في فترات سابقة بناء على منطق الترضيات أو التوازنات السياسية والمناطقية، دون أن تكون لهم الكفاءة اللازمة لقيادة مؤسسة جامعية بحجم جامعة مولاي إسماعيل، التي تعد رافعة علمية وتنموية حيوية داخل جهة فاس-مكناس.
فمنذ تعيينه على رأس الوزارة، أطلق عز الدين ميداوي إشارات واضحة على رغبته في استعادة هيبة الجامعة المغربية وتخليصها من البيروقراطية والتسيير الفوضوي، من خلال ربط المسؤولية بنتائج ملموسة، سواء على مستوى جودة التكوين، أو النشر العلمي، أو علاقات الجامعة بسوق الشغل والمحيط الاقتصادي.
وإذا كان القرار اليوم قد طال جامعة واحدة، فإن المراقبين يتوقعون أن تمتد المقاربة نفسها إلى جامعات أخرى تشهد نوعًا من الشلل الإداري والتدبيري، حيث لا تزال عدة مؤسسات ترزح تحت عبء رؤساء ضعفاء في الرؤية، غائبين عن الدينامية المجتمعية، وعاجزين عن مرافقة التحول التكنولوجي والرقمي الذي يحتاجه التعليم العالي في القرن 21.
إن الجامعة المغربية لا تحتمل مزيدًا من التهاون، ولا تقبل برؤساء بلا مشروع. المطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى هو نخب أكاديمية ذات كفاءة عالية وحس إداري صارم، قادرة على تأطير الأساتذة، وضمان جودة الخدمات، وبناء علاقات تشاركية مع الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين.
ما قام به الوزير ميداوي هو بداية صحيحة، لكنه مجرد خطوة أولى في مسار طويل يحتاج إلى الحزم، والقطع النهائي مع منطق “كرسي الرئاسة إلى أجل غير مسمى”. فكما أثبتت تجارب دولية، لا إصلاح تعليمي حقيقي دون تجديد النخب داخل الجامعة، ولا جامعة حديثة بدون تداول حقيقي على مواقع المسؤولية، مبني على التقييم والتقويم لا الترضيات والمحسوبيات.
وقد آن الأوان ليتحوّل هذا التطهير الناعم إلى سياسة دائمة، لأن كرامة الجامعة جزء لا يتجزأ من كرامة الوطن.






