الهدر المدرسي في المغرب: تقرير أممي يضع السياسات التعليمية أمام اختبار صعب ويكشف استمرار نزيف 280 ألف تلميذ

في سياق تربوي تتداخل فيه المؤشرات الاجتماعية مع رهانات الإصلاح، أعاد تقرير حديث صادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسف بالمغرب فتح النقاش حول فعالية السياسات التعليمية، بعد كشفه عن مغادرة حوالي 280 ألف تلميذ لمقاعد الدراسة خلال سنة 2025، وهو رقم يضع المنظومة التربوية أمام مساءلة حقيقية حول قدرتها على الحد من الهدر المدرسي رغم تعدد البرامج الحكومية والإصلاحات المعلنة.
رقم ثقيل يعيد طرح سؤال فعالية الإصلاح التربوي
التقرير يشير إلى أن عدد المنقطعين عن الدراسة تراجع بشكل طفيف مقارنة بالسنة السابقة، إذ انتقل من حوالي 294 ألف تلميذ إلى نحو 280 ألفاً، أي بانخفاض لا يتجاوز 5 في المائة، وهو تراجع محدود لا يعكس تحولاً بنيوياً بقدر ما يؤكد استمرار الظاهرة بوتيرة مقلقة.
هذا المعطى يأتي في سياق تنزيل خارطة الطريق التربوية 2022-2026، التي راهنت عليها الحكومة لإعادة بناء المدرسة العمومية، عبر تحسين الجودة، وتقليص الفوارق، وتعزيز الدعم الاجتماعي، غير أن الأرقام تعيد النقاش إلى نقطة البداية، وتطرح سؤال مدى قدرة هذه السياسات على إيقاف النزيف السنوي للتلاميذ.
الهدر المدرسي: من إشكال تربوي إلى أزمة اجتماعية
ما يثير الانتباه في هذا التقرير هو أن الهدر المدرسي لم يعد مجرد إشكال بيداغوجي، بل تحول إلى مؤشر اجتماعي عميق يرتبط بإنتاج الهشاشة وإعادة تدوير الفقر داخل المجتمع.
فخروج 280 ألف تلميذ من المنظومة التعليمية في سنة واحدة يعني عملياً إقصاء شريحة واسعة من فرص الارتقاء الاجتماعي، وتحويل المدرسة من أداة للترقي الاجتماعي إلى مسار غير مكتمل بالنسبة لفئات واسعة من الأسر، التي تجد نفسها عاجزة أمام تكاليف الدراسة أو أمام ضعف جاذبية المؤسسة التعليمية.
كما يرتبط هذا النزيف بعوامل متعددة، من بينها الفقر، وضعف البنية التحتية المدرسية في بعض المناطق، وصعوبات النقل المدرسي، إضافة إلى محدودية الدعم الاجتماعي، وتراجع الإحساس بجدوى المدرسة لدى بعض التلاميذ والأسر.
اتساع الظاهرة نحو الطبقة المتوسطة
من أبرز ما يكشفه التقرير أن الهدر المدرسي لم يعد حكراً على الفئات الهشة، بل بدأ يمتد تدريجياً نحو الطبقة المتوسطة، في مؤشر يعكس تحولات أعمق في بنية المجتمع.
هذا التطور يرتبط بتداخل عوامل اقتصادية وسوسيو-ثقافية، من بينها ارتفاع تكاليف التمدرس، وتغير أنماط العيش، وضعف بعض جوانب جودة التعليم، ما يؤدي إلى اهتزاز الثقة في المدرسة كضامن للمستقبل المهني والاجتماعي.
هذه النقطة تحديداً تمثل تحولاً نوعياً، لأنها تعني أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالهشاشة الاقتصادية، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بإشكال الثقة في المنظومة التعليمية نفسها.
الفتيات في قلب معادلة الهشاشة التعليمية
يبرز التقرير أيضاً أن الفتيات، خاصة في المناطق القروية وشبه الحضرية، يظلن الأكثر عرضة للانقطاع عن الدراسة، بسبب تداخل عوامل اجتماعية وبنيوية، من بينها ضعف النقل المدرسي، وبعد المؤسسات التعليمية، والضغوط الأسرية، إضافة إلى بعض المحددات الثقافية.
هذا المعطى يطرح بإلحاح سؤال تكافؤ الفرص، ويكشف أن السياسات العمومية ما زالت تواجه تحديات في تفكيك العوائق التي تحول دون ضمان استمرارية تمدرس الفتيات، رغم البرامج الموجهة لهذا الهدف.
نماذج ناجحة لكنها غير معممة
يشير التقرير إلى وجود تجربة نموذجية تم تطويرها بشراكة بين اليونيسف ووزارة التربية الوطنية، تقوم على التتبع الفردي للتلاميذ المهددين بالانقطاع، وتحسين ظروف التعلم، وإشراك الأسر والجماعات الترابية.
وقد تم تنفيذ هذا النموذج في عدد من الجهات، من بينها بني ملال–خنيفرة، وطنجة–تطوان–الحسيمة، والشرق، حيث استفاد منه أكثر من 5.500 شاب، معظمهم من الفتيات، وسُجلت في بعض المؤسسات نسب انقطاع قاربت الصفر خلال الموسم الدراسي 2024-2025.
غير أن هذا النجاح يظل محدوداً جغرافياً، ما يطرح سؤال القدرة على تعميم هذه التجربة على المستوى الوطني، وتحويلها من مبادرات محلية إلى سياسة عمومية شاملة وفعالة.
إشكال الحكامة وتعدد المتدخلين
من بين الإشكالات التي يثيرها التقرير أيضاً، ضعف التنسيق بين المتدخلين في ملف الهدر المدرسي، حيث يتقاطع هذا الورش بين قطاعات متعددة، تشمل التعليم، والنقل، والحماية الاجتماعية، والصحة النفسية، والجماعات الترابية.
هذا التداخل يجعل من معالجة الظاهرة تحدياً مركباً، لا يمكن اختزاله في قطاع واحد، بل يتطلب مقاربة مندمجة تقوم على التقائية السياسات العمومية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوحيد آليات التدخل.
المدرسة أمام تحديات جديدة: الهجرة والأزمات
كما يشير التقرير إلى جهود إدماج الأطفال المهاجرين واللاجئين داخل المنظومة التعليمية، من خلال تطوير أدوات للانتقال اللغوي ودلائل استقبال، وهو ما يعكس اتساع وظائف المدرسة العمومية في سياق اجتماعي متحول.
إضافة إلى ذلك، تم تسليط الضوء على تدخلات مرتبطة بالمناطق المتضررة من زلزال 2023، حيث تمت إعادة تأهيل مؤسسات تعليمية وتوفير شروط أفضل للتعليم، إلى جانب إدماج الدعم النفسي والاجتماعي للأساتذة والتلاميذ.
مدرسة تحت ضغط الأرقام والانتظارات
يضع تقرير اليونيسف المنظومة التعليمية أمام معادلة دقيقة، حيث لا يكفي الحديث عن الإصلاحات أو البرامج المعلنة، ما دامت الأرقام تكشف استمرار نزيف كبير في صفوف التلاميذ.
فخروج 280 ألف تلميذ من المدرسة خلال سنة واحدة لا يمثل مجرد مؤشر إحصائي، بل يعكس خللاً بنيوياً في العلاقة بين المدرسة والمجتمع، ويطرح سؤالاً مركزياً حول قدرة السياسات العمومية على تحويل التعليم إلى رافعة حقيقية للتنمية وتقليص الفوارق الاجتماعية.
وبين طموح الإصلاح وواقع الأرقام، تظل المدرسة المغربية أمام اختبار صعب، عنوانه الأساسي: كيف يمكن تحويل الحق في التعليم من شعار مؤسساتي إلى واقع فعلي يضمن الاستقرار والاستمرارية والعدالة التعليمية؟





