فاس.. بين مطرقة التحديات وسندان الطموحات: روبرتاج يكشف المستور عن مدينة عريقة تستعد للعالمية

فاس – خاص بفاس 24: مشواحي الريفي عبدالله
بينما تستعد مدينة فاس لاستقبال حدث عالمي بحجم كأس إفريقيا 2025 و كأس العالم 2030، يطفو على السطح واقع مرير يعيشه سكان المدينة يوميًا، واقع يتسم بتردي الخدمات الأساسية وتجاهل صرخات الأحياء المهمشة و التي يطلق عليها بأحزمة الفقر و البؤس المحيطة بالعاصمة العلمية. فبين بريق الاستعدادات والتحديات اليومية، تتكشف صورة لمدينة عريقة تعاني في صمت، وتطرح علامات استفهام كبرى حول جدوى المشاريع المعلنة وأولويات المسؤولين.
النقل الحضري.. معاناة يومية وانتظار لا يرحم:
يُعد قطاع النقل الحضري في فاس أحد أبرز النقاط السوداء التي تؤرق السكان. فبدل أن يكون وسيلة مريحة وآمنة للتنقل، تحول إلى كابوس يومي للمواطنين. تأخر الحافلات لساعات طويلة أو غيابها بشكل كامل أصبح أمرًا معتادًا، ما يعطل مصالح الطلاب والموظفين وعموم الساكنة التي باتت تصطف في طوابير و لساعات طويلة تنتظر الذي يأتي أو لا يأتي لضمان تنقلاتها.
“أنتظر الحافلة لأكثر من ساعتين في بعض الأحيان”، يقول “حميد”، وهو طالب جامعي يقطن في أحد الأحياء البعيدة عن مركز المدينة. “هذا يؤثر على دراستي ويجعلني أصل متأخرًا للمحاضرات. لا نفهم لماذا هذا التأخير المستمر رغم الوعود بتحسين الخدمة”.
هذا الوضع يفاقم من معاناة الفئات الهشة التي لا تملك بدائل أخرى للتنقل، ويجعل حياتهم اليومية أكثر صعوبة وتعقيدًا. وعود بتحسين الأسطول وتحديثه تبدو بعيدة المنال، بينما يستمر المواطن في دفع ثمن هذا التردي من وقته وجهده.
النظافة.. صفقة بمليارات السنتيمات ومدينة تغرق في القاذورات:
لم يكن تردي قطاع النقل الحضري هو المشهد الوحيد القاتم في فاس. فملف النظافة يمثل وصمة عار أخرى على جبين المدينة. فبالرغم من ترويج مجلس جماعة فاس، برئاسة العمدة عبد السلام البقالي، لتمرير صفقة ضخمة بقيمة 22 مليار سنتيم لتطوير هذا القطاع، إلا أن الواقع على الأرض يشي بعكس ذلك تمامًا.
شوارع وأزقة فاس تشهد تكدسًا ملحوظًا للنفايات، بروائح كريهة تزكم الأنوف وتشوّه جمالية المدينة. مختلف الأحياء غارقة في و متضررًة، حيث تتحول أكوام الأزبال إلى بؤر للتلوث والأمراض، تهدد صحة وسلامة السكان.
“لم نر أي تغيير منذ تمرير هذه الصفقة المليارية”، تقول “خديجة”، وهي ربة بيت تقطن في حي يعاني من تراكم النفايات. “بل إن الوضع يزداد سوءًا. الروائح لا تطاق، والحشرات والقوارض غزت حيينا ونحن مقبلين على إرتفاع درجات الحرارة وفصل الصيف. أين هي هذه الملايير التي قيل إنها ستُصرف على النظافة؟”.
هذا التناقض الصارخ بين الميزانية الضخمة المخصصة للقطاع والواقع المزري يثير تساؤلات مشروعة حول طريقة صرف هذه الأموال وفعالية الشركات المكلفة بالتدبير. ويبدو أن وعود العمدة بتحويل فاس إلى مدينة نظيفة وذكية تبخرت أمام أعين السكان الذين باتوا يعيشون في مدينة تغرق في القاذورات.
مرافق عمومية غائبة وطرق مهترئة.. إهمال يطال الأحياء:
لا يقتصر الإهمال في فاس على قطاعي النقل والنظافة، بل يمتد ليشمل غياب شبه تام للمرافق العمومية الضرورية لحياة السكان، وتدهورًا كارثيًا في حالة الطرقات، خاصة داخل الأحياء السكنية.
المساحات الخضراء والحدائق العمومية تكاد تكون منعدمة في العديد من الأحياء، ما يحرم الأطفال والعائلات من متنفسات ضرورية وهو ما يجعل الساكنة تتجه صوب جوانب الطرقات أو بجانب الحقول . دور الشباب والمراكز الثقافية تبقى قليلة ولا تستجيب لحاجيات الشباب المتزايدة.
أما الطرقات، فهي حكاية أخرى من الإهمال المزمن. حفر عميقة، تشققات واسعة، وانعدام الإنارة العمومية في العديد من الشوارع، تجعل التنقل داخل الأحياء أمرًا محفوفًا بالمخاطر، خاصة خلال الليل أو في فترات التساقطات المطرية.
التساقطات الأخيرة كشفت بشكل فاضح عن هشاشة البنية التحتية، حيث تحولت العديد من الشوارع إلى برك ومستنقعات، وعزلت بعض الأحياء عن العالم الخارجي. هذا الوضع يطرح تساؤلات حول أولويات مجلس الجماعة الذي يبدو أنه يركز جهوده على مشاريع “وهمية” قد لا تلامس الاحتياجات اليومية للمواطنين.
دورات خاوية تخدم الشركات والنخب.. وتجاهل لمطالب الساكنة:
يزيد من حالة الاستياء لدى الفاسيين الطريقة التي يُدار بها مجلس جماعة فاس. فالدورات التي يعقدها المجلس غالبًا ما تتميز بجدول أعمال “خاوٍ على عروشه”، حسب تعبير العديد من المراقبين. عوض مناقشة القضايا الحقيقية التي تهم المواطنين وإيجاد حلول لمشاكلهم اليومية، يبدو أن المجلس يركز على تمرير قرارات تخدم مصالح شركات كبرى أو نوادي رياضية نافذة وموالية لرئيس المجلس.
غياب التنمية الحقيقية في الأحياء المهمشة، وتجاهل مطالب الساكنة المتكررة بتحسين الخدمات الأساسية، يزيد من الشعور بالتهميش والإقصاء لدى قطاعات واسعة من الفاسيين. ويبدو أن صوت المواطن العادي لا يجد له صدى داخل قاعات المجلس.
رسالة إلى العمدة والمجلس.. كفى تهميشًا!
إن الواقع المرير الذي تعيشه مدينة فاس اليوم يستدعي وقفة ضمير جادة من قبل المسؤولين، وعلى رأسهم العمدة عبد السلام البقالي وأعضاء مجلس جماعة فاس. فبينما تستعد المدينة لاستضافة حدث عالمي يقتضي تقديم صورة مشرفة، يعاني سكانها من تردي الخدمات الأساسية وإهمال الأحياء.
إن صرف الملايير في صفقات لا يلمس المواطن أثرها على أرض الواقع، وتجاهل المطالب الملحة بتحسين النقل والنظافة والطرقات، هو بمثابة استهانة بحقوق السكان وتقويض لجهود التنمية الحقيقية.
على العمدة والمجلس أن يعوا أن استضافة كأس إفريقيا و كأس العالم لا يمكن أن تستر واقعًا مريرًا يعيشه الفاسيون يوميًا. وأن التنمية الحقيقية تبدأ من الاهتمام بالاحتياجات الأساسية للمواطنين وتحسين ظروف عيشهم في جميع الأحياء، وليس فقط في المناطق التي ستستقبل ضيوف المونديال.
لا يمكن إغفال الدور المحوري الذي يلعبه والي جهة فاس مكناس، السيد معاذ الجامعي، في الدفع بعجلة التنمية والتأهيل الحضري لمدينة فاس، خاصة في ظل الاستعدادات الجارية لاحتضان جزء من فعاليات كأس العالم 2030.






